يوم دحو الأرض (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) (ح 14)

د. فاضل حسن شريف

قال الله رب العالمين “وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا” (الشمس 2) القمر هو كوكب سيار يدور حول الارض وينيرها ليلا، واذا ظرف يدل في اكثر الحالات على الزمن المستقبل، وتلاها اي تبعها. عن الطباطبائي في الميزان قوله تعالى: “وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا” (الشمس 3) التجلية الاظهار والابراز، وضمير التأنيث للأرض، والمعنى وأقسم بالنهار إذا أظهر الأرض للابصار. وقيل: ضمير الفاعل في”جلاها” للنهار وضمير المفعول للشمس، والمراد الأقسام بحال إظهار لنهار للشمس فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار، وفيه أنه لا يلائم ما تقدمه فان الشمس هي المظهرة للنهار دون العكس. و قوله تعالى: “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا” (الشمس 4) أي يغطي الأرض، فالضمير للأرض كما في” جلاها”.

عن تفسير الميسر: قوله جل ثناؤه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” ﴿الروم 9﴾ أَثَارُوا الأَرْضَ: حرثوها وقلبوها للزراعة. أولم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بالله الغافلون عن الآخرة في الأرض سَيْرَ تأمل واعتبار، فيشاهدوا كيف كان جزاء الأمم الذين كذَّبوا برسل الله كعاد وثمود؟ وقد كانوا أقوى منهم أجسامًا، وأقدر على التمتع بالحياة حيث حرثوا الأرض وزرعوها، وبنَوْا القصور وسكنوها، فعَمَروا دنياهم أكثر مما عَمَر أهل “مكة” دنياهم، فلم تنفعهم عِمارتهم ولا طول مدتهم، وجاءتهم رسلهم بالحجج الظاهرة والبراهين الساطعة، فكذَّبوهم فأهلكهم الله، ولم يظلمهم الله بذلك الإهلاك، وإنما ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل ثناؤه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ” فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (الروم 9) “أوَ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانَ عاقبة الذين من قبلهم” من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم “كانوا أشد منهم قوة” كعاد وثمود “وأثاروا الأرض” حرثوها وقلبوها للزرع والغرس “وعمَروها أكثر ممّا عمروها” أي كفار مكة “وجاءَتهم رسلهم بالبينات” بالحجج الظاهرات “فما كان الله ليظلمهم” بإهلاكهم بغير جرم “ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” بتكذيبهم رسلهم.

يعتبر الماء اهم نعمة على وجه الارض في قوله تبارك وتعالى “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الانبياء 30) ومنه يخرج النبات”وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (الانعام 99) فالنبات طعام للبشر والحيوانات، وفيه تجميل الارض في الخضرة حتى سميت الارض الخضراء الحاوية على الاشجار من نخيل واعناب وزيتون ورمان بجنات. وكل ذلك جعل الله سبحانه هذه الجنات آيات للتفكر بخلق الله والايمان به.

جاء في موقع مركز الأبحاث العقائدية عن السيد محمد علي بحر العلوم: آيات الاستخلاف في الارض. يصرح كثير من المفسرين ان هناك نوعين من الاستخلاف احدهما عام يشمل جميع البشر والاخر خاص وهو الذي يتعرض فيه للولاية وهو خاص بمن يصطفيه الله تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)” (البقرة 30-35).

وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل ثناؤه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” ﴿الروم 9﴾ “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم” ﴿الروم 9﴾ من الأمم “كانوا أشد منهم قوة” فهلكوا وبادوا فيعتبروا بهم لعلمهم أنهم أهلكوا بتكذيبهم “وأثاروا الأرض” ﴿الروم 9﴾ أي وقلبوها وحرثوها بعمارتها عن مجاهد “وعمروها أكثر مما عمروها” ﴿الروم 9﴾ أي أكثر مما عمرها هؤلاء الكفار لأنهم كانوا أكثر أموالا وأطول أعمارا وأكثر أعدادا فحفروا الأنهار وغرسوا الأشجار وبنوا الدور وشيدوا القصور ثم تركوها وصاروا إلى القبور وإلى الهلاك والثبور. “وجاءتهم رسلهم بالبينات” ﴿الروم 9﴾ أي أتتهم رسلهم بالدلالات من عند الله وفي الكلام حذف تقديره فجحدوا الرسل وكذبوا بتلك الرسل فأهلكهم الله بالعذاب “فما كان الله ليظلمهم” ﴿الروم 9﴾ بأن يهلكهم من غير استحقاق “ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” ﴿الروم 9﴾ بأن جحدوا رسل الله وأشركوا معه في العبادة سواه حتى استحقوا العذاب عاجلا وآجلا.

عن الشيخ حسين الخشن في قوله تبارك وتعالى “وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (المائدة 64) السَّعْيُ هو المشي السّريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجدّ في الأمر، خيرا كان أو شرّا، و السعي هو مقدمة العمل، والساعي قد يصل إلى غايته وقد لا يوفق لذلك، ومسعى الإنسان ومساره خيراً كان أم شراً ليس قدراً مفروضاً عليه، وإنما هو طريق يختاره بملء إرادته، فمن يختار طريق الشر فهو المسؤول عن اختياره. ومن شر الافعال الفساد في الأرض.