بطولة من دخان

رياض الفرطوسي

ليس كل من رفع صوته بطلاً، وليس كل من صمت جباناً.

لكن هناك فرقاً شاسعاً بين من احترقت أصابعه وهو يكتب، وبين من انتظر حتى برد الرماد ثم جاء ينفخ فيه ليصنع لنفسه بطولة من دخان.

الكتابة في زمن الرعب( في زمن الدكتاتورية ) ليست هواية مسائية. هي قرار يشبه الوقوف في ساحة مكشوفة والريح تعصف بالرصاص. هناك من كتب وهو يعرف أن بيته قد يُداهم، وأن اسمه قد يُشطب من سجلات الأحياء، وأن عائلته ستدفع ثمن الحروف. هؤلاء لم يكونوا ملائكة، كانوا بشراً خائفين، لكنهم اختاروا أن لا يخونوا أصواتهم.

وفي الضفة الأخرى، ظهر صنف مختلف: مثقف ما بعد العاصفة. ظلّ سنوات في مقهى آمن، في مدينة أوروبية أنيقة، يشرب قهوته ويصغي لصوت الريح والمطر وهديل الحمام ويحصي أخبار الموت من بعيد، ثم ما إن سقط الطاغية حتى خرج بمدفع لغوي ثقيل، يوزع الاتهامات كأن التاريخ بدأ يوم قرر هو أن يتكلم. لا يتذكر أحد صوته أيام كانت الكلمة تُكلّف رقبة، لكنه اليوم يصرخ كأنه كان في الخندق الأول.

المشكلة ليست في تأخر الكلام. فلكل إنسان حساباته، وخوفه، وأعذاره. المشكلة حين يتحول الصمت الطويل إلى منصة لإلغاء الآخرين. حين يصبح الماضي مساحة فارغة يُعاد ترتيبها بحيث يبدو الغائب بطلاً، ويُدفع الحاضرون الحقيقيون إلى الهامش.

أن تكتب من قلب الحدث شيء، وأن تكتب بعد انتهائه شيء آخر. الأول شهادة، والثاني قد يكون قراءة… وقد يكون تصفية حسابات باردة. الأول حبره ممزوج بالدم، والثاني حبره ممزوج براحة الكرسي.

وهناك صنف آخر، أقل ظهوراً وأكثر عمقاً. أناس لم يصمتوا خوفاً ولا انتظاراً، بل لأنهم رفضوا أن يحوّلوا وجع الناس إلى مادة خطاب. رأوا الخراب أوسع من أن يُختصر في مقال، وأقسى من أن يُستثمر في بطولة. فاختاروا أن يبقوا خارج الضوء، لا يزاحمون على المنابر، ولا يعلنون اكتشاف الشجاعة بعد انقضاء الخطر. حضورهم لم يكن صاخباً، لكنه كان نظيفاً. غير أن جمهوراً اعتاد بريق المنصات لا يلتفت كثيراً لمن لا يجيد العروض العالية ولا يهوى استعراض الحناجر.

الضجيج له جاذبية غريبة؛ يشبه الألعاب النارية، يخطف العين ولو كان عمره ثواني. الناس تنجذب لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يزن كلماته. لذلك يظهر بين حين وآخر من لم يكن مرئياً في زمن المحنة، لكنه يتقدم الصفوف في زمن الطمأنينة، يتحدث بثقة العارف بكل شيء، ويتصرف كأن المنبر حق مكتسب. يصبح حضوره دائماً، وصورته لا تغيب، وكأن المشهد خُلق ليكون خلفية لصوته وحده.

لكن الزمن ليس غبياً. قد يخدع الحاضر، لكنه لا يُخدع إلى الأبد. التاريخ يبدأ من الغياب كما يبدأ من الحضور، والشهود الحقيقيون ليسوا دائماً صاخبين.

في الجدل الثقافي والفكري أيضاً، الأسلوب ليس تفصيلاً. الكاتب الهادئ يصنع حوله دائرة نقاش هادئة، والكاتب المنفعل يخلق جمهوراً يصرخ مثله. النص يربي قرّاءه كما يربي القارئ نصه. ليس المطلوب أن يكون الكاتب واعظاً، لكن لا يمكنه أن يتنصل من أثره. الكلمة ليست رصاصة طائشة؛ هي بذرة، إما أن تثمر وعياً أو تنبت شوكاً.

وهناك القارئ الذهبي: الذي يقرأ مرتين، ويختار الصمت لا عجزاً بل احتراماً. لا يدخل كل معركة، ولا يرى في كل رأي فرصة للضجيج. يعرف أن الصفحة بيت، وأن الضيافة لها شروط، وأن حرية التعبير لا تعني فوضى التعبير.

فمن أين يبدأ الإصلاح إذن؟

لا يبدأ بمرسوم سياسي، ولا بخطبة دينية، ولا بشعار عابر. يبدأ من تربية الذائقة قبل تربية المواقف. من الأسرة الصغيرة التي تعلّم أبناءها أن الشجاعة ليست استعراضاً، وأن الصمت ليس دائماً ضعفاً. من المدرسة التي تعلّم التفكير لا التلقين. من مؤسسة دينية ترى في الأخلاق جوهراً لا شعاراً. ومن مثقف يفهم أن دوره ليس احتكار الحقيقة بل إضاءتها.

المجتمع هو الرحم الذي يلد سلطته. إذا كان الرحم مريضاً، وُلدت سلطة مشوهة. وإذا كان سليماً، خرجت سلطة أقرب إلى العدالة. النخب لا تُصنع بالتصفيق، بل بالمعرفة الصلبة والنزاهة الطويلة النفس. وربما يحتاج الأمر أجيالاً، لكن كل جيل لا يبدأ يترك الخراب ميراثاً لمن بعده.

الكتابة الحقيقية لا تصرخ كثيراً. هي أشبه بنبع في جبل بعيد: لا يسمعه الجميع، لكنه يظل يجري. أما العربات الفارغة، فهي الأعلى صوتاً دائماً… إلى أن يملّ الناس الضجيج.

وفي النهاية، ليس السؤال: من صرخ أكثر؟

بل: من دفع الثمن؟

ومن بقي صادقاً حين كان الصدق مكلفاً؟