رياض سعد
زيد، صاحب شركةٍ للسياحة والسفر في بغداد، كان يؤمن أن البشر يشبهون المدن:
لا تُعرَف حقيقتهم من الواجهة، بل من الأزقة الخلفية وقاع المدينة …
بحكم عمله، عبرت أمامه طبقات المجتمع كلّها … ؛ موظفون متعبون، عشّاق مؤقتون، رجال يبحثون عن مهرب، ونساء يحملن في أعينهن أكثر مما تقوله الكلمات…
كان يصغي، لا بدافع الفضول، بل لأن الإصغاء صار عنده حرفة ثانية…
وفي أحد الأيام، دخل طه إلى مكتبه… ؛ شاب بسيط، ملامحه حيادية كأنها لم تحسم موقفها من الحياة بعد…
حجز رحلة إلى أربيل، ثم تكررت اللقاءات، وتحوّلت المجاملة إلى صداقة صامتة، وصار طه زبونًا دائمًا، وصار زيد زائرًا معتادًا لمطعمه في الأعظمية…
في مساءٍ عراقيٍّ بطيء، دخل زيد إلى مطعم طه… ؛ لم يكن يعلم أن عينيه ستصطادان امرأةً ستقلب نظامَ روحه… ؛ جلست سهام هناك، تطلُّ من وجهها المستدير كأنها قرصُ شمسٍ حارٍ في سماء المطعم ، شفتاها وردتان مائعتان، خصرها النحيل يتمايل كقصبة في ريح خفيفة… ؛ كانت تتحاور مع طه بلغةٍ من دلالٍ وثرثرة، وصوته يعلو بضحكاتٍ أشبه بخشخشة الأجراس…
عندما انصرفت، تسللت الأسئلة إلى صدر زيد كالنمل:
– من هذه؟
أجاب طه بمكرِ بائعٍ يعرف قيمة البضاعة:
– أعجبتك سهام ؟
– بلى.
– ما هدية مَنْ جاء بها إليك؟
– سفرةٌ إلى أربيل.
قهقه طه كمن أبرم صفقة رابحة:
– إذن اعتبر سهام في أحضانك.
في شقة شارع فلسطين، حيث تتراقص غبارُ المدينة ونسماتُ المساء، التقى زيدٌ بسهام … ؛ احتسيا الخمرَ في صمتٍ ثقيل، ثم هجَمَ كلٌّ منهما على الآخر بشراهةِ من عاش طويلاً على الخبز اليابس… ؛ فقد رأى فيها ما يشتهي، ورأت فيه ما تفتقد.
واستمر اللقاء ثلاث ساعات، تقلّبت فيها الأجساد ككلماتٍ في جملةٍ نحوية مضطربة، أوضاعٌ جنسيةٌ متعددة كأنها محاولات يائسة لكتابة نصٍّ واحد بلغات شتى… ؛ وأخيراً، سألها زيد – وقد أعجبه فِقهُها الجسدي وثقافتها الجنسية – بصوتٍ يمازح ولا يمازح:
– من علّمكِ كلَّ هذه الفنون في النكاح؟
أجابت ببساطة المعلومة البديهية:
– الحياةُ أكبرُ مدرسة… ؛ فقدعاشرتُ كثيراً من الرجال ؛ وصادقت نساء كثيرات …
فضحك سائلاً:
– ومن كان أول شخصٍ مارس معكِ السفاح؟
كانت امرأة تعرف كيف تحكي،وكأن حياتها مرت عبرها لا بجانبها.
في لحظة صدقٍ غير متوقعة، بدأت خديجة تحكي…
تكلمت عن عباس…
لم تصفه بطلاً ولا وحشًا، بل فراغًا كبيرًا ترك أثره فيها…
شابًا لم يعدها بشيء، ولم يمنحها أمانًا، لكنه أيقظ فيها شعورًا دفينًا لم تستطع تسميته…
وحكت عن زواجٍ جاء كحلٍّ اجتماعي، لا كإجابة داخلية…
زوجٍ كان محترمًا، مهذبًا، حاضرًا جسدًا وغائبًا أثرًا…
قالت، وهي تحدّق في الفراغ:«بعض الرجال يلمسون أجسادنا، لكن القليل فقط يلمسون ذلك المكان الخفي الذي لا نعرف اسمه.»
فتحت خديجة صندوق الذاكرة، فانطلقت منه امرأةٌ أخرى، امرأةٌ لم تكن جالسة هنا على هذه الوسائد، بل فتاةٌ تقف على سطح الدار تراقب حماماً أبيض.
قالت:
كان اسمه عباس… ؛ جارنا. في التاسعة عشرة… ؛ أخته لمياء صديقتي… ؛ أحببته كما تحب الفراتُ ضفافَها … ؛ كان يقضي أيامه مع الطيور على السطح … ؛ ( مطيرجياً ) لا يعمل، لا يفكر، لا يعد… ؛ يحمل همَّ الحمام ولا يحمل همَّ غد.
وفي يومٍ، جاء حميد يخطبني… ؛ شابٌ في الثالثة والعشرين، يعمل، يريد زواجاً… ؛ ركضتُ إلى عباس كمن يركض إلى نبع الماء في صحراء… ؛ أخبرته …
قال: تزوجيه … ؛ هو أفضل لك مني … ؛ أنا عاطل، لا أستطيع تحمل المسؤولية …
عدتُ أبكي… ؛ تزوجتُ حميد…
وبعد شهر، جئت لزيارة أهلي… ؛ ثم جاءت اخته لمياء تقول: اعددنا لك وليمة بمناسبة العرس، ثم نذهب معاً إلى الطبيبة النسائية… ؛ صدّق أهلي بالامر … ؛ و صدقتُ أنا.
ما أن وطئت قدماي عتبة بيت عباس، حتى سحبني بقوة… ؛ أدخلني غرفته… ؛ انهال عليَّ يقبّل، يلثم، يلحس , يعض … ؛ لم يترك من جسدي موضعاً إلا شَمَّه وقبّله حتى خَدِرَتْ أناملي وتراخت أوصالي… ؛ ثم مارس الجنس معي من الصباح حتى الغروب، اثنتي عشرة مرة فعلها وبقوة وشراهة حيوانية ، حتى خرج الدم من ركبتي… !!
ثم مشيتُ إلى بيت أهلي بصعوبة، ووجعُ الأنوثة يملأ عظامي…
صمتت سهام لحظة، ثم أردفت:
منذ ذلك اليوم، لم ولن أنسَ عباس… ؛ لأن زوجي لم يستطع أن يفعل ربعَ ما فعل عباس… ؛ مع عباس شعرتُ أنني امرأةٌ حقيقية… ؛ أحسستُ أنوثتي تسري في دمي كالهواء بعد الاحتضار… ؛ وإلى هذه اللحظة، لم أجد من يشبهه…!!
باع أهله دارهم ورحلوا… ؛ و انقطعت أخباره… ؛ ثم مات زوجي فجأة… ؛ صرتُ أبحث عن عباس في كل رجل، أفتش عن ملامحه تحت أغطية الوجوه المختلفة… ؛ لا أجده…
ثم توقفت، وغمغمت كمن يحدث نفسه في المرآة:
لا أدري… نحن معاشر النساء، أمرنا عجيب… ؛ نهوى مَنْ يعذبنا ويعاملنا كالحيوانات، ونَهربُ ممن يحترمنا ويعاملنا بلطف زائد…!!
نعم ؛ بعد رحيل عباس، ثم وفاة زوجها المفاجئة … ؛ لم تكن تبحث عن رجل … ؛ بل عن ذلك الإحساس الأول…؛ عن النسخة التي شعرت فيها أنها أميرة محظية ومحبوبة حد اللعنة ، حتى لو كانت متألمة…
ثم سكتت سهام … ؛ وسكت زيد معها…
في تلك الليلة، فهم زيد شيئًا لم تعلّمه له المكاتب ولا الرحلات:أن الإنسان لا يقع في حب من يُحسن إليه دائمًا، بل أحيانًا في حب من يهزّه هزا عنيفا ،حتى لو كسره…!!
وأننا، رجالًا ونساءً،نقضي أعمارنا نبحث عن شخصٍ واحد … ؛ لا لأنه كان الأفضل… ؛
بل لأنه ترك فينا أعمق أثر…!!