ضياء المهندس
لم يعد النقاش حول التدخل الأمريكي في النظام المصرفي العراقي يدور في إطار إجراءات تقنية معزولة، بل بات جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإعادة تنظيم فضاء القوة داخل الاقتصاد العراقي. فالخطاب الرسمي يتحدث عن الامتثال، والشفافية، ومكافحة غسل الأموال، لكن القراءة المتأنية تشير إلى تحوّل نوعي: من سياسة العقوبات الانتقائية إلى محاولة إعادة ضبط قواعد اللعبة المالية برمّتها.
من العقوبات التقليدية إلى هندسة النظام المالي
في المراحل السابقة، اعتمدت واشنطن على إدراج مصارف أو شركات ضمن قوائم الحظر، أو تقييد قدرتها على الوصول إلى الدولار. غير أن المقاربة الحالية تبدو مختلفة؛ فهي لا تستهدف “لاعبين” بعينهم بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة التي يعملون داخلها.
الرسالة الضمنية واضحة: المشكلة، من المنظور الأمريكي، ليست في مؤسسة واحدة، بل في ثغرات هيكلية تسمح بمرور تدفقات مالية غير قابلة للتتبع. لذلك انتقل التركيز من العقوبة إلى الهيكلة، ومن ردّ الفعل إلى الوقاية التنظيمية.
تعدد العقوبات: كيف تُمارَس الضغوط فعلياً؟
العقوبات لم تعد أداة واحدة، بل منظومة ضغط متكاملة، تتخذ أشكالاً متعددة، من أبرزها:
- الحرمان من نافذة الدولار
تقييد وصول بعض المصارف إلى حسابات المراسلة في الولايات المتحدة أو الحد من مشاركتها في مزادات العملة، ما يقلص قدرتها على تمويل التجارة الخارجية. - العزل عن النظام المالي العالمي
أي مصرف يفشل في تلبية معايير الامتثال قد يواجه صعوبات في استخدام شبكات التحويل الدولية، الأمر الذي يضعه عملياً خارج الدورة المالية العالمية. - الإدراج غير المباشر على قوائم المخاطر
حتى دون إعلان عقوبات رسمية، يكفي تصنيف مصرفٍ ما كمؤسسة “عالية المخاطر” لكي تتردد البنوك الدولية في التعامل معه، وهو شكل من أشكال العزل الصامت. - الضغط عبر التدقيق المعزّز
فرض مراجعات دقيقة على التحويلات، خصوصاً تلك المرتبطة بعمليات الاستيراد، مع مقارنة قيمة البضائع بالأموال المحوّلة. - استهداف الشبكات لا الكيانات
بعدما أثبتت التجربة أن إغلاق شركة يؤدي إلى ظهور أخرى، اتجهت السياسة الأمريكية نحو تتبع سلاسل التمويل والمستفيدين الحقيقيين، بدلاً من الاكتفاء بالأسماء القانونية. لماذا العراق في دائرة التركيز؟
من منظور النظام المالي العالمي، يشكّل العراق عقدة مالية حساسة لعدة أسباب:
- اقتصاد يعتمد بشدة على الدولار في التجارة والطاقة.
- موقع جغرافي يربط عدة أسواق إقليمية.
- قطاع مصرفي ما يزال في طور التطور الرقابي.
في واشنطن، يُقرأ أي خلل في هذه البيئة باعتباره مخاطرة نظامية، لا مجرد مشكلة محلية. بينما ترى قراءة أخرى أن جذور الأزمة ترتبط أساساً بضعف الحوكمة، والفساد التجاري، والقصور المؤسسي، أكثر من ارتباطها بوجود اقتصاد سري متكامل. ما الذي تريده الخزانة الأمريكية فعلياً؟
يمكن تلخيص المتطلبات الأمريكية في أربعة مسارات رئيسية:
أولاً: الشفافية الكاملة للمستفيد النهائي..
معرفة من يقف خلف الشركات والتحويلات، ومنع استخدام الهياكل القانونية المعقدة لإخفاء الملكية.
ثانياً: قابلية التتبع المالي..
أن تكون كل حركة دولارية قابلة للمراجعة، مع تقليل المسارات الرمادية التي تسمح بمرور الأموال دون تدقيق كافٍ.
ثالثاً: رفع معايير الامتثال المصرفي
تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال، وتعزيز إجراءات “اعرف عميلك”، وربطها بمعايير دولية.
رابعاً: تقليص اقتصاد الظل.
دمج الأنشطة المالية غير الرسمية ضمن النظام المنظم، بحيث يصبح الخروج عن القواعد أكثر كلفة من الالتزام بها.
الدولار كأداة نفوذ
المسألة في جوهرها لا تنفصل عن مكانة الدولار. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى عملتها كوسيلة تبادل فحسب، بل كبنية تنظيمية تمنحها قدرة استثنائية على المتابعة والتأثير. وكلما اتسعت المناطق غير الخاضعة للرصد، ازداد القلق من تآكل مركزية هذا النظام.
السؤال الذي يلوح في الخلفية ليس مصرفياً فقط، بل استراتيجي:
هل يبقى الدولار منظومة تُدار من مركز واحد، أم تتشكل مسارات موازية خارج نطاق السيطرة؟
توقيتٌ يعكس هشاشة المرحلة
يأتي هذا التشدد في لحظة داخلية دقيقة: تقلب في أسعار النفط، ضغوط على السيولة، تحديات خدمية، واستقطاب سياسي. وفي مثل هذا السياق، يمكن لأي قيود مالية واسعة أن تترك آثاراً متشعبة:
اقتصادياً: احتمال اضطراب التحويلات، وتذبذب سعر الصرف، وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي.
سياسياً: تصاعد الضغوط لإعادة تعريف التوازنات الخارجية والاقتصادية.
اجتماعياً: تنامي القلق الشعبي إذا انعكست الإجراءات على الاستقرار المعيشي.
بين السيادة والاندماج المالي
التحدي الحقيقي أمام العراق لا يكمن في رفض الرقابة الدولية أو قبولها، بل في كيفية تحويلها إلى فرصة لبناء نظام مصرفي قوي، دون أن تتحول إلى قيد دائم على القرار الاقتصادي.
فالدول التي تملك أنظمة مالية متينة لا تُفرض عليها القواعد بقدر ما تشارك في صياغتها. أما الدول الهشّة، فغالباً ما تجد نفسها تتكيّف مع قواعد لم تكتبها.
الخلاصة :
ما يجري ليس مجرد حملة عقوبات، ولا إصلاحاً مصرفياً تقنياً فقط، بل فصل من صراع أوسع على من يملك مفاتيح الحركة داخل الاقتصاد. وبين ضرورات الاستقرار المالي ومتطلبات السيادة، يقف العراق أمام اختبار حاسم:
إما أن يبني نظاماً مصرفياً قادراً على حماية نفسه، أو يظل ساحةً تُعاد هندستها كلما تغيّرت خرائط القوة في العالم.
البروفسور د. ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي