بين المنفى والداخل: قراءة سياسية-اجتماعية-نفسية في إشكالية إقصاء شيعة الداخل وتقريب البعثيين بعد 2003

رياض سعد

مقدمة: مفارقة ما بعد السقوط
شكل سقوط نظام السفاح صدام عام 2003 حدثاً مفصلياً بامتياز، إذ انتقل العراق من هيمنة مشروع قومي عربي طائفي بغطاء بعثي إلى نظام سياسي ديمقراطي جديد تقوده قوى المعارضة الشيعية التي قضت عقوداً في المنفى والمهجر . غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً تمثلت في سلوك هذه النخب الوافدة: فبدلاً من الاحتفاء بأبناء الداخل الاصلاء الذين دفعوا أثماناً باهظة تحت وطأة القمع، سارع كثير من قادة الأحزاب الشيعية المهجرية إلى تقريب البعثيين ومن لف لفهم، واستبعاد الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين من شيعة الداخل… ؛ فكيف نفسر هذه الظاهرة سياسياً ونفسياً واجتماعياً؟!
نعم ,منذ سقوط نظام حزب البعث الاجرامي عام 2003، ودخول القوات الأميركية إلى العراق، برز سؤال شائك في الوعي الجمعي العراقي: كيف ولماذا اتجه بعض قادة الأحزاب الشيعية العائدة من المنفى والمهجر إلى تقريب عناصر بعثية سابقة أو شخصيات محسوبة على النظام السابق، في الوقت الذي شعر فيه كثير من شيعة الداخل—من متدينين ومثقفين وسجناء سياسيين وأبناء شهداء—بأنهم أُقصوا أو همِّشوا عن مواقع القرار؟!
أولًا: فرضية الاختراق المخابراتي وإرث الدولة العميقة وتداعيات انتقال السلطة
ثمة رواية شائعة بين العراقيين تقول إن النظام البوليسي البائد ، وعلى مدى عقود حكمه بقيادة المجرم صدام ، امتلك جهازًا أمنيًا شديد الفاعلية، تمكّن من اختراق قوى المعارضة في الخارج عبر تجنيد عناصر أُرسلت بصفة معارضين… ؛ وهنالك عشرات بل مئات القصص والاحداث التي تؤكد ذلك ؛ ووفق هذه الفرضية، فإن بعض هؤلاء واصلوا نشاطهم داخل أحزاب معارضة حتى بلغوا مواقع قيادية، ثم وجدوا أنفسهم بعد 2003 جزءًا من منظومة الحكم الجديد… !!
نعم , عندما سقط النظام، امتلكوا شخصيتين: شخصية البعثي المخابراتي المجند، وشخصية القيادي الشيعي في الحزب الفلاني… ؛ وهذا يفسر لماذا أصبح معظم هؤلاء العناصر وزراء ونواباً ووكلاء وزارات ومدراء ومسؤولين … الخ .
سواء صحّت هذه الرواية في بعض الحالات أو جرى تضخيمها شعبيًا، فإنها تعبّر عن شعور عام بعدم الثقة، وتفسّر—في المخيال الاجتماعي—كيفية انتقال بعض الشخصيات من هامش المعارضة إلى مركز السلطة، من دون قطيعة واضحة مع إرث البعث … .
سياسيًا، لا يمكن إنكار أن الدولة العراقية بعد 2003 احتاجت إلى خبرات إدارية وأمنية لإدارة مؤسسات ضخمة منهكة… ؛ وهنا تسللت البراغماتية: فبدل الإقصاء الشامل، جرى استيعاب شرائح من الكوادر السابقة، تحت شعار “الاستفادة من الخبرة” أو “منع انهيار الدولة أو الضغط الامريكي والبريطاني والاقليمي والطائفي المحلي ”… ؛ غير أن هذا الخيار، وإن بدا عمليًا، أحدث صدمة أخلاقية لدى ضحايا النظام السابق وابناء الاغلبية العراقية الاصيلة .
هذا التحليل، وإن كان يحمل طابع الاتهام، إلا أنه يستند إلى منطق سياسي مفهوم: أجهزة المخابرات تعمل على اختراق قوى المعارضة عادة، ولم يكن العراق استثناءً. غير أن التفسير الأوسع يتمثل في طبيعة انتقال السلطة ذاتها. فقد استلم ساسة الخارج الحكم بالتفاهم مع الإدارة الأمريكية، التي كانت مهتمة باستقرار النفط ومنع الفوضى، ففضلت التعامل مع نخب قابلة للمساومة ومستعدة للاندماج في “الصفقة السياسية الجديدة” التي قامت على المحاصصة الطائفية … .
البعض يقول : ان هؤلاء الساسة وجدوا أنفسهم أمام دولة مفككة تحتاج إلى إدارة يومية، وخبراء الإدارة في العراق الجديد كانوا من البعثيين الذين أداروا الدولة لعقود… ؛ وهكذا، وُلِد تحالف غريب بين إسلاميي المهجر وبعثيي الداخل، على حساب شيعة الداخل الذين لم يكونوا جزءاً من الصفقة المنكوسة الكبرى … .
ثانيًا: صدمة التوقعات لدى شيعة الداخل
كان كثير من شيعة الداخل—وخاصة المتدينين والناشطين السياسيين والسجناء السابقين—يعتقدون أن أي تغيير يُطيح بالنظام البعثي سيصبّ تلقائيًا في مصلحتهم، بوصفهم الأكثر تضررًا من القمع والإقصاء … ؛ لكن التحول السياسي لم يسر وفق هذه التوقعات… ؛ فقد عاد قادة المنفى محمّلين بشرعية “المعارضة التاريخية” وعلاقات دولية وإقليمية، وتفاهمات مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الفاعلة… ؛ وبفعل هذه المعادلات، تشكّلت طبقة سياسية جديدة شعرت بأنها صاحبة الحق الطبيعي في إدارة المرحلة الانتقالية … ؛ و هنا نشأ التوتر .
شيعة الداخل رأوا أنفسهم “أهل الدار” واصحاب البلاد والأجدر بإدارة شؤونها … ؛ بينما , قادة الخارج رأوا أنفسهم أصحاب مشروع سياسي منظّم وخبرة تراكمت في العمل الحزبي المعارض … ؛ هذا التعارض في الشرعيات—شرعية المعاناة مقابل شرعية التنظيم—ولّد شعورًا عميقًا بالغبن … .
ثالثا : البعد النفسي: نظرة السوء إلى شيعة الداخل / الريبة المتبادلة والانقسام داخل البيت الشيعي
تكشف هذه الظاهرة عن أبعاد نفسية عميقة في علاقة ساسة الخارج بشيعة الداخل… ؛ فجماعة الخارج وساسة الاحزاب والحركات في المنفى ؛ لا يخفون نظرتهم السلبية إلى أتباع المرجعيات الدينية المختلفة (الصدرية، والخوئي، والسيستاني) فهي نظرة اتسمت بالريبة والاتهام … ؛ فقد اتهم الشهيد محمد محمد صادق الصدر بالتعاون مع النظام السابق، واتُهم أتباعه بأنهم من البعثية أو الهمج الرعاع ، رغم أن التيار الصدري كان أكثر من أذاق البعثيين مرارة القتل في زمن الطاغية … ؛ فبعض قوى المنفى نظرت بريبة إلى قواعد شعبية واسعة في الداخل، ومنها جمهور السيد محمد محمد صادق الصدر، الذي شكّل تيارًا جماهيريًا كبيرًا بعد 2003… ؛ وكذلك الى اتباع السيد الخوئي والسيد السيستاني وغيرهما … ؛ وظهرت اتهامات متبادلة بالتساهل أو الاختراق أو ضعف الخبرة السياسية … الخ .
نعم , هذه الظاهرة تحمل في طياتها آليات نفسية معقدة… ؛ اذ لم يكن الخلاف سياسيًا فحسب، بل اتخذ طابعًا نفسيًا واجتماعيًا ؛ فالساسة المهجريون والقادة الخارجيون ، الذين عاشوا عقوداً في المنفى، عانوا من شعور بالذنب لكونهم بعيدين عن المعاناة اليومية تحت القمع… ؛ واستباقاً لأي اتهام محتمل بالتقصير، قاموا بإسقاط هذا الشعور على “الآخر” الداخلي، فاتهموه بالجبن أو التخاذل أو حتى التعاون مع النظام… ؛ كما أن الشعور بعدم الأمان والشرعية جعلهم يرون في أي قيادة دينية أو سياسية داخلية منافساً محتملاً يهدد مكتسباتهم وامتيازاتهم .
حتى السجناء السياسيين من الشيعة لم يسلموا من الاتهامات الباطلة … ؛ اذ أن هؤلاء الساسة نظروا إلى السجناء السياسيين الشيعة على أنهم “مجانين أو معقدون أو مرضى نفسيون”… ؛ هذا التوصيف ليس مجرد إهانة عابرة، بل هو تعبير عن رغبة عميقة في نزع الشرعية عن أولئك الذين دفعوا أثماناً حقيقية، وتجنب مواجهة جراحهم وآلامهم التي تذكر النخبة المهجرية بأنها كانت بعيدة عن الخندق الأول …!!
في المقابل، شعر كثير من أتباع التيارات الشعبية الشيعية المحلية بأنهم مستهدفون أو مُهمَّشون، وأن النخبة الحاكمة ورجالات وشخصيات المنفى والمهجر ؛ لا تنظر إليهم بوصفهم شركاء، بل ككتلة انتخابية تُستدعى عند الحاجة فحسب … .
كما طالت الريبة بعض أتباع المرجعيات الدينية في النجف، سواء المرتبطة بمدرسة السيد أبو القاسم الخوئي أوالسيد علي السيستاني، في ظل تنافس خفي بين مشاريع سياسية مختلفة، بعضها يميل إلى الحزبية العقائدية، وبعضها إلى المرجعية الدينية التقليدية… ؛ هذا الانقسام لم يكن مجرد اختلاف في الرؤى، بل تحوّل إلى تصنيفات نفسية :
*الداخل يُتَّهَم بالسذاجة أو العاطفية أو ضعف الخبرة أو الانتماء للبعث وموالاة صدام أو الجبن والتقاعس عن مقارعة النظام … .
*الخارج يُتَّهَم بالانفصال عن الواقع أو الارتهان للتفاهمات الدولية أو الحقارة والنرجسية والتبعية والعمالة والنفعية والفئوية… .
ومع الوقت، تحوّل سوء الظن إلى قناعة راسخة لدى شرائح واسعة من المجتمع الشيعي الذي يمثل الاغلبية السكانية الفاعلة والمطلقة .

رابعا : البراغماتية السياسية وتفضيل “المرن” على “المبدئي
من منظور علم النفس السياسي، تميل النخب الحاكمة في المراحل الانتقالية إلى تفضيل العناصر الأكثر مرونة وقابلية للاندماج في شبكات السلطة، حتى لو كانت ذات ماضٍ إشكالي، على العناصر المبدئية الصريحة التي قد تُحرج السلطة بخطابها النقدي… .
فالشرائح الاجتماعية التي عُرفت بالجرأة والمباشرة والمطالبة بالحقوق—ومنها أبناء السجناء والشهداء وغيرهما —لم تكن دائمًا الخيار المفضل لإدارة مؤسسات تقوم على التوازنات الدقيقة والصفقات السياسية… ؛ في المقابل، امتلك المنتمين سابقًا إلى حزب البعث و مؤسسات الدولة خبرة بيروقراطية وقدرة على المناورة والتكيف مع التحولات والمتغيرات السياسية … ؛ فضلا عن انهم خبراء في التملق والتسلق ومدح الساسة … الخ .

خامسا : البعد الاجتماعي: صراع النخب وتمايز الرأسمال الرمزي
اجتماعياً، يمكن قراءة الظاهرة في إطار صراع النخب على توزيع الموارد والسلطة… ؛ شيعة الداخل، خصوصاً المؤمنين والمثقفين والسجناء، كانوا يعتقدون أن التغيير السياسي سيكون لمصلحتهم، فهم “أهل الدار وأدرى بشعابها”… ؛ لكنهم اصطدموا بواقع أن النخبة المهجرية التي تمتلك “رأسمالاً سياسياً” مختلفاً: فهي مدعومة من الولايات المتحدة وإقليمياً، ولديها علاقات دولية، وتتقن لغة التفاوض السياسي الحديث … ؛ في المقابل، كان رأسمال شيعة الداخل رمزياً بالدرجة الأولى: معاناة السجون، تضحيات العوائل، حضور شعبي في الأحياء والمدن… ؛ وهذه الرأسمالية الرمزية كانت تمثل تهديداً ضمنياً للنخبة المهجرية، لأنها تذكر الشارع بمن دفع الثمن الحقيقي كما اسلفنا ؛ ومن ثم، كان لابد من تهميشها أو استيعابها بشكل محدود … .
وهكذا نشأت مفارقة مؤلمة… ؛ الضحايا لم يكونوا دائمًا هم المستفيدين من النظام الجديد، فيما عاد أبناء واتباع وازلام النظام السابق إلى الواجهة تحت عناوين مختلفة…!!
سادسا : بنية النظام السياسي: المحاصصة كآلية إقصاء
أسست العملية السياسية بعد 2003 لنظام المحاصصة الطائفية، الذي وزع المناصب وفقاً للانتماءات المذهبية والعرقية … ؛ و هذا النظام، الذي كان يُفترض به ضمان التوازن، تحول إلى آلية لتكريس سيطرة النخب الحزبية على الدولة، وتهميش القوى الاجتماعية المستقلة … .
وفي هذا السياق، كان تقريب البعثيين منطقياً من وجهة نظر الساسة المهجريين: فهم أطراف فاعلون في الصفقة الكبرى، ويملكون الخبرة الإدارية، ولا يشكلون تهديداً أيديولوجياً حقيقياً ما داموا قد تحولوا إلى إسلاميين جدد أو تكنوقراط محايدين… ؛ أما شيعة الداخل من المناضلين والمثقفين، فكانوا أكثر إحراجاً: يطالبون بمحاسبة الفاسدين، ويرفضون المحاصصة، ويتحدثون باسم الشارع لا باسم الأحزاب… ؛ ولذلك، كان استبعادهم ضرورياً لاستمرار النظام السياسي كما رُسم في اتفاقيات ما بعد الغزو الامريكي وسقوط النظام الهجين عام 2003 .

سابعا : منطق الدولة أم منطق الغنيمة ؟!
جزء من الأزمة يعود إلى غياب مشروع وطني جامع بعد 2003… ؛ فبدل أن تُبنى دولة مواطنة تستوعب الجميع ضمن معايير واضحة للعدالة الانتقالية… ؛ ساد منطق المحاصصة الحزبية … ؛و في هذا السياق، تحوّلت المناصب إلى حصص، وأصبح معيار الولاء الحزبي أو القدرة على خدمة الزعيم أهم من معيار الكفاءة أو الاستحقاق الأخلاقي… ؛ وهنا وجد بعض البعثيين السابقين فرصة لإعادة التموضع داخل أحزاب جديدة، مستفيدين من خبرتهم في الإدارة والتنظيم… ؛ أما أبناء الداخل الذين لم يمتلكوا شبكات نفوذ أو خبرة مؤسساتية، فبقوا على هامش السلطة، رغم ثقلهم الشعبي … .

الخلاصة: ظلم مزدوج ومستقبل معتم
إن ظاهرة تقريب البعثيين السابقين والصداميين والطائفيين والارهابيين واستبعاد شرائح من شيعة الداخل لا يمكن تفسيرها بعامل واحد… ؛ فيها بعد أمني يتعلق بالاختراقات وإرث الدولة العميقة… ؛ وبعد سياسي يرتبط ببراغماتية المرحلة الانتقالية … ؛ وبعد نفسي يتصل بعقدة التفوق أو الشعور بالأحقية لدى نخب المهجر والمنفى … ؛ وبعد اجتماعي ناتج عن انقسام الشرعيات داخل المكوّن الواحد… ؛ غير أن أخطر ما في الأمر هو تحوّل الإقصاء من استثناء إلى نمط، ومن إجراء مرحلي إلى ثقافة سياسية… ؛ فعندما تُعاد إنتاج آليات التهميش باسم الواقعية السياسية، فإن النظام الجديد يخاطر بفقدان قاعدته الأخلاقية فضلا عن الشعبية … .
إن بناء دولة عادلة لا يتحقق بإقصاء ضحايا الأمس أو استبدال نخبة بأخرى، بل بإرساء قواعد شفافة للعدالة والمشاركة والكفاءة، بعيدًا عن منطق الثأر أو منطق الصفقة… ؛ فالدولة التي لا تصالح مجتمعها، تبقى أسيرة ماضيها مهما تغيّرت وجوه الحكّام
نعم , أن شيعة الداخل تعرضوا لظلم مزدوج: مرة من نظام البعث، ومرة من الساسة الذين يدعون القيادة… ؛ فالممارسات التمييزية بحقهم واضحة، مثل تفضيل البعثيين وابنائهم على السجناء وأبناء الشهداء في التعيينات والمناصب، ومجاملة هذه الشرائح الشيعية المغبونة في أوقات الانتخابات فقط من باب “المضطر لأكل الميتة”، ثم العودة إلى تهميشها بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية … !!
هذه الظاهرة تمثل نمط من “الاستبداد الجديد” الذي يمارس باسم الديمقراطية والمحاصصة، وتتحكم فيه نخب لا تثق بالشعب الذي تفترض أنها تمثله، وتفضل التعامل مع العناصر المشبوهة القابلة للتكيف والانقياد على حساب أصحاب المواقف والمبادئ…!!
وهكذا، تحول العراق الجديد إلى ساحة لصراع نخبوي شرس، ظل فيه شيعة الداخل الأصليون، رغم أنهم الأكثر تضرراً من النظام السابق والأكثر استحقاقاً لقيادة المرحلة الجديدة، ضحايا مرة أخرى: ضحايا اختراقات الأمس وإقصاءات اليوم… ؛ وتظل معاناتهم شاهداً على أن تغيير الأنظمة لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة، بل قد يعيد إنتاج الظلم بصيغ جديدة وأقنعة مختلفة.