رياض سعد
في غبش أصيل لم أعُد ادري إن كان من نسيج المدن الخارجية أم من نسيج الروح… ؛ كنت اسير… ؛ وكانت المدينة تمتد كحلم ينسلخ من ذاكرة مريض، أرصفتها تتنفس، ونوافذها الموصدة تحدق فيّ كعيون صمّاء…
نعم , بينما كنتُ أسيرُ في أحدِ شوارعِ مدينةٍ غريبةٍ عنّي، مدينةٍ تُشبه الحلم حين يفيضُ بالألوان ثم ينسحب فجأةً إلى ظلالٍ باردة، لمحتُ, فجأة , رجلًا تبدو عليه هيئةُ السمسار بابتسامةٍ بهلوانيةٍ كالشفرة، وإلى جواره امرأةٌ فائقةُ الجمال، كأنّها خرجت من لوحةٍ لم يُجفّف الرسّامُ ألوانها بعد…؛ كانت تراود نفسَها عن نفسها احيانا … ؛ و كل إطلالةٍ لها تختصر ألقاً، وكل رمشة عينٍ تغوي بحكاية… ؛ أشارا إليّ بآن واحد، فكأنما انعقد الكون على تلاقينا…
بادلتهما التحية، فكانت تحيتُهما كزبد البحر: مالحةً، غزيرةً، ثم تذوب تاركةً أثر الحرير… ؛ وكان في صوتهما دفءٌ مصطنع، يشبه دفءَ المدافئ في البيوت المهجورة… ؛ أشارا إليّ، ودعواني إلى الاقتراب… ؛ وعرضا عليّ ما يُغري العابرَ المنهك: شقّةٌ فاخرة، مفروشةٌ بأناقةٍ مترفة، حياةٌ سهلةٌ بلا عناء، ورفقةٌ تُنسي الطريق الطويل…
ووعدا بملذاتٍ لا تُحصى… ؛ ترددتُ هنيهةً، كخيط ضوء يتردد بين الغيم والمطر… ؛ كنت على موعدٍ مع شخصٍ ما، موعدٌ لا يحتمل التأخير، لكن رفض هذا العرض المغري بدا مستحيلاً كرفض حلم جميل ؛ إذ كان بريقُه يلامس شيئًا خفيًّا في داخلي …
نعم , موعدٍ مع شخصٍ لا أستطيع أن أُخلفه… ؛ كان الموعدُ أشبه بوعدٍ قطعته لنفسي منذ زمن، وعدٍ لا أعرف ملامحه، بل اعرف مع من التقي … ؛ لكنّي أعرف ثقله في قلبي…
دفعتُ حقيبةَ سفري إلى المرأة ؛ تلك الرفيقة الوحيدة في غربتي، فتلقّفتها بخفّةٍ مدهشة، كأنّ الريحَ حملتها، وطارت بها نحو عُش الشقة الفاخرة، تاركةً خلفها أريج انتظار على أحر من الجمر
.؛ وأشارت إلى بنايةٍ شاهقةٍ عند زاوية الشارع، وقالت إنّ الشقّة هناك، وإنّها ستنتظرني..
أسرعتُ نحو موعدي المجهول ، أقطع الشوارع كما يقطع السهمُ الهواء، لكنّ أفكاري كانت تعود كلّ لحظةٍ إلى تلك الشقّة، إلى الوعد المعلّق بيني وبين بابٍ لم أفتحه بعد…
أنهيتُ لقائي على عجل، وعدتُ مسرعًا، تتنازعني رغبتان: رغبةُ الوفاء لما أؤمن به، ورغبةُ الارتماء في حياةٍ بلا أسئلة … ؛ نعم , عدتُ أركض على دربٍ واحدٍ لا يتفرع، كأني أهرب من شيءٍ إلى شيء … ؛ أجرُّ خيالاتي خلفي…؛ وقلبي يخفق كعصفور في عاصفة ؛وقفتُ أمام الدرج الذي يؤدي الى باب الشقة ؛ وقبل أن أطرقه ؛ وقبل أن تلمس يدي المقبض… ؛
انفتح وحده… ؛ و ظهرت المرأة الفاتنة مبتسمة، وقالت بصوتٍ ناعمٍ كالمخمل :
“تعال، سأريك عالَمًا لم يخطر لك على بال.”
كانت الكلمات كالخمر، سَرَت في أوصالي نشوةً وذهولاً… ؛ فرحت بالعرض فرح الطفل بلعبة لاتُقدّر بثمن … ؛ خطوتُ خطوةً إلى الأمام، وإذا بعيني تقعان على رجلٍ كهلٍ يجلس عند عتبة الدرج المؤدّي إلى الشقّة… ؛ كان قويَّ البنية، مهيبَ الطلعة، لحيته مزيجًا من البياض الموقّر والذهبيّ الخافت، ووجهه أبيضُ مشربٌ بحمرةٍ خفيفة، تعلوه سيماءُ الوقار… ؛ وعليه من سمات الصالحين ما يجلجل في القلب رعدةً وخشوعاً … ؛ لم ينطق بكلمة، لكنّ نظرته كانت أبلغ من كلّ خطاب… ؛ نظر إليّ بأسفٍ وعتابٍ صامتين، كأنّه يعرفني منذ زمنٍ بعيد، كأنّه يشهد على معركةٍ تدور في داخلي… ؛تسمّرتُ في مكاني… ؛ لم أستطع الصعود، ولم أستطع الرجوع…!!
في تلك اللحظة أدركتُ أنّ الشارع لم يكن شارعًا عابرًا، وأنّ الشقّة لم تكن مجرّد مكانٍ للسكن، وأنّ المرأة لم تكن سوى صورةٍ للرغبات التي تتزيّن كلّما اشتدّ التعب، وأنّ الرجل الكهل لم يكن غريبًا…؛ بل كان وجهي الآخر، ذلك الذي ينتظرني عند كلّ منعطف، يذكّرني بما أكون، لا بما أريد أن أكون…
المدينة من حولي بدأت تتلاشى، كأنّها مسرحٌ أُطفئت أنواره فجأة… ؛ لم يبقَ سوى بابٍ مفتوحٍ أمامي، وعتبةٍ يجلس عليها ضميري… ؛ خطوةٌ واحدة كانت تفصلني عن عالمين…؛ لكنّني بقيتُ واقفًا، معلّقًا بينهما، كأنّي صرتُ أنا نفسي عتبةً بين بابين بل عالمين…
وبقيت هناك، على مفترق الأبد، بين صعودٍ بلا عودة ونزولٍ بلا قرار…!!