الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى

رياض سعد

ليس من الحكمة أن تنشغل الأمم والشعوب والجماعات والمكونات بضجيج الخطابات المتشنجة والشعارات العاطفية والسياسية الطوباوية أو بحملات التشويه التي تطلقها بعض المنابر الغاضبة؛ فالقوافل الكبرى لا تتوقف عند صراخ العابرين والمعترضين ، والمسارات التاريخية لا تُرسم بالانفعال، بل بالعقل والتدبير وحسابات المصلحة … .
إن معيار النجاح السياسي لأي قوةٍ فاعلة في مجتمعها لا يُقاس بعلوِّ الشعارات، ولا بحدّة الخطب، بل بقدرتها على تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب الوطنية، وتقليل الأضرار، ودفع المفاسد عن مجتمعها بقدر المستطاع… ؛ فالسياسي الرشيد هو من يحسن قراءة موازين القوى، ويقدّم سلامة وطنه واستقرار شعبه وابناء جلدته على نزوات المواقف اللحظية أو ردود الأفعال العاطفية أو الارتباطات والتحالفات الخارجية المبنية على الاواصر العرقية والقومية او الدينية والمذهبية او الايدلوجيات السياسية والحزبية … .
لقد أثبتت التجارب أن الشعارات الرنّانة لا تبني دولة، وأن الأيديولوجيا مهما بلغت من الصلابة لا تنتصر وحدها على التكنولوجيا، ولا على الاقتصاد، ولا على شبكة المصالح الدولية المتشابكة… ؛ فالسياسة ليست ساحة أمنيات، بل ميدان أسباب؛ وقد قيل في الأثر الاسلامي : «أبى الله إلا أن تسير الأمور بأسبابها»، وهي قاعدة عقلية قبل أن تكون دينية، تؤكد أن السنن الكونية والقوانين الطبيعية لا تحابي أحدًا… .
وفي السيرة الاسلامية ما يعضّد هذا المعنى؛ إذ كان الميل إلى الصلح خيارًا حين تقتضيه المصلحة، وكانت المهادنة أداةً من أدوات القوة المؤجَّلة، لا علامة ضعفٍ دائم… ؛ فالحكمة تقتضي أحيانًا أن يُؤجَّل الصدام حتى تتكافأ الموازين، وأن يُختار أخفّ الضررين دفعًا لأعظمهما .
ولم تخلُ الأمثال الشعبية من هذه الحكمة العملية؛ فهي تعبّر عن إدراكٍ فطريٍّ بأن التكيّف مع الواقع، ومراعاة الضغوط، وإدارة التحديات بمرونة، قد يكون سبيلًا إلى البقاء والاستمرار… ؛ فالسياسة فنّ الممكن، لا فنّ التمنّي، وهي علم إدارة المخاطر قبل أن تكون ساحة استعراض للمواقف .
ومن هنا، فإن التعامل مع القوى الكبرى في النظام الدولي ينبغي أن يُبنى على قاعدة المصالح لا الانفعالات… ؛ فالعالم اليوم محكوم بشبكات نفوذ اقتصادي وأمني وتقني، ولا يمكن لأي دولةٍ أو قوةٍ سياسية أن تعيش بمعزل عن هذه الحقائق… ؛ و إن الانفتاح المدروس، والحوار، وعقد الاتفاقيات، وحتى تقديم بعض التنازلات المحسوبة، قد يكون ثمنًا معقولًا إذا كان المقابل هو حفظ الأمن والاستقرار وصيانة وحدة المجتمع .
وليس سرًّا أن كثيرًا من الدول اختارت طريق التفاهم مع القوى المؤثرة في النظام الدولي، فدفعت أثمانًا سياسية أو اقتصادية محدودة، لكنها كسبت في المقابل استقرارًا طويل الأمد، وحمت مجتمعاتها من دوامات الصراع المفتوح… ؛ أما المجتمعات التي خاضت مواجهات غير متكافئة، دون استعداد كافٍ أو حلفاء أقوياء أو رؤية واضحة، فقد دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واقتصادها ووحدتها الداخلية … .
إن المفاضلة بين خسارة جزءٍ من الموارد المادية وبين خسارة الوطن أو استقرار المجتمع ليست مفاضلة معقّدة؛ فالوطن إذا انهار لا تُغنيه الشعارات، والمجتمع إذا تفكّك لا تعيده الخطب الحماسية… ؛ والقيادة التي تعجز عن التمييز بين الثمن والكلفة، وبين التضحية الضرورية والمغامرة غير المحسوبة، إنما تعرّض مجتمعها لمخاطر جسيمة .
وفي الظروف السياسية الراهنة، تبرز الحاجة إلى قاعدة عمل وطنية مستقلة، تُقدّم المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة، وتُحسن إدارة علاقاتها الخارجية بتوازنٍ وحذر… ؛ فالتعامل مع القوى الكبرى – بما فيها القوى التي نختلف معها – لا يعني الارتهان، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية المكتسبات وتعزيز الاستقرار .
إن رفع رايات المواجهة الدائمة في وجه قوى تفوق في العدة والعدة، دون حسابٍ دقيقٍ للعواقب، ليس بطولة سياسية، بل قد يتحول إلى مقامرة وجودية وتهور ساذج … ؛ أما الواقعية المتزنة، فهي التي تجمع بين الحفاظ على السيادة، وبين تجنّب الانجرار إلى صراعات تستنزف الداخل وتبدّد الطاقات … .
فالسياسة في نهاية المطاف تُقاس بنتائجها لا بنيّاتها، وبمآلاتها لا بشعاراتها… ؛ والخير كل الخير في صيانة الاستقرار، وتعزيز التداول السلمي للسلطة، وترسيخ دولة القانون، ومواصلة البناء والإعمار، وإحباط مشاريع الفوضى والتخريب … .
وهكذا تبقى الحكمة السياسية قائمة على معادلة دقيقة: قوةٌ تُبنى بتدرّج، ومصلحةٌ تُدار بعقل، وواقعٌ يُقرأ بوعي، حتى لا تتحول العواطف إلى قرارات، ولا تتحول القرارات إلى أزماتٍ يصعب احتواؤها .