خطاب تحت الضغط
كتب رياض الفرطوسي
بعد يومين سيقف دونالد ترامب تحت قبة الكابيتول، في المشهد الأمريكي التقليدي الذي يجمع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتجلس فيه المحكمة العليا وكبار رجال الدولة صفاً واحداً. لحظة محسوبة بالدقيقة، لكنها ليست احتفالاً بروتوكولياً كما تبدو على شاشات التلفزيون، بل امتحان سياسي سنوي يقاس به وزن الرئيس الحقيقي. خطاب «حالة الاتحاد» ليس مجرد تقرير عن أحوال البلاد، بل إعلان نوايا، وطلب ثقة غير مباشر من الكونغرس والرأي العام معاً.
منذ أواخر القرن الثامن عشر صار هذا الخطاب موعداً ثابتاً في الحياة السياسية الأمريكية، يقدّم فيه الرئيس كشف حساب، ويعرض خطته للعام المقبل. غير أن خطاب هذا العام يأتي مثقلاً بالشكوك أكثر مما هو محمّل بالوعود، وكأن الرئيس يتحدث من موقع دفاعي لا هجومي.
الانتخابات النصفية تلوح في الأفق، وهي عادة ميزان حرارة شعبية أي رئيس. الجمهوريون يعرفون أن نتائجها قد ترسم حدود القوة الرئاسية لما تبقى من الولاية. المشكلة أن اسم ترامب نفسه لا يبدو ضمانة انتخابية مؤكدة، فالرئيس الذي نجح في تعبئة قاعدته الصلبة لم ينجح دائماً في توسيعها، والمرشحون المرتبطون به يواجهون اختباراً صعباً في دوائر انتخابية متقلبة المزاج.
على الصعيد الدولي، الصورة ليست أكثر إشراقاً. الوعود الكبرى التي أطلقت حول إنهاء أزمات أو فرض تسويات سريعة لم تتحول إلى إنجازات واضحة يمكن عرضها بثقة أمام الكونغرس. السياسة الخارجية تبدو أقرب إلى إدارة أزمات منها إلى صناعة انتصارات، وهذا النوع من الإنجازات لا يصلح عادة لمشهد احتفالي مليء بالتصفيق.
حتى الملفات الاقتصادية، التي يحب ترامب أن يتحدث عنها بلغة الأرقام، لم تعد ساحة مريحة بالكامل. قطاعات واسعة من الأمريكيين تشكو من تضخم تكاليف الحياة اليومية، من الغذاء إلى العلاج والتعليم. الاقتصاد الكلي قد يبدو قوياً على الورق، لكن المزاج الشعبي يتشكل عند صناديق المتاجر لا في تقارير وزارة الخزانة.
الضربة القانونية الأخيرة زادت المشهد تعقيداً. قرار المحكمة العليا بإبطال التعرفة الجمركية التي استندت إلى مبررات (الأمن القومي) لم يكن مجرد حكم تقني، بل رسالة سياسية غير مباشرة حول حدود السلطة التنفيذية. في بلد تقوم توازناته على دقة الصلاحيات، تبدو مثل هذه الأحكام تذكيراً بأن الرئيس ليس وحده صاحب القرار.
إلى جانب ذلك، يطفو ملف الهجرة مجدداً على السطح، لا بوصفه شعاراً انتخابياً فقط بل كواقع يومي متوتر. الإجراءات الأمنية المشددة وعمليات الترحيل والاحتكاكات بين المحتجين وقوات الأمن تركت أثراً واضحاً في مجتمعات المهاجرين، خصوصاً بين الأمريكيين من أصول لاتينية وآسيوية وكاريبية. هذه الفئات ليست هامشاً صغيراً في الخريطة الانتخابية، بل كتلة بشرية متنامية يصعب تجاهلها.
ومع ذلك، فإن أكبر ما يخفف الضغط عن ترامب ليس نجاحاته بل ضعف خصومه. الحزب الديمقراطي لم يستعد توازنه بعد خسارته الرئاسية الأخيرة، وما زال يبحث عن خطاب جامع وقيادة مقنعة. الانقسام الداخلي وغياب رؤية واضحة جعلا المعارضة تبدو أحياناً أقل تماسكاً من السلطة نفسها.
لهذا قد يبدو خطاب (حالة الاتحاد) المقبل مشهداً متناقضاً، رئيس يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية واضحة، لكنه يقف أمام الكونغرس بقدر من الثقة السياسية. ليست هذه الثقة نابعة من قوة الإنجازات بقدر ما تستند إلى ارتباك خصومه. فالحزب الديمقراطي، بعد خسارته الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ما زال عاجزاً عن بلورة قيادة موحدة أو خطاب مقنع يستطيع أن يحشد حوله الناخبين، الأمر الذي يمنح ترامب هامش حركة أوسع مما توحي به أزماته الفعلية.
في السياسة الأمريكية أحياناً لا يفوز الأقوى، بل الأقل ضعفاً. وربما يكون هذا هو العنوان الحقيقي غير المعلن لخطاب ترامب القادم.