نينوى.. طبقات التاريخ التي لا تسقط

إيهاب مقبل

ليست نينوى محافظة تُختصر بزمن واحد، بل تراكم طويل من العصور، حيث تتجاور البدايات الأولى للاستقرار البشري مع مدن حيّة ما تزال تنبض بالحياة. هنا، لا يسير التاريخ في خط مستقيم، بل يتراكم طبقة فوق أخرى، من القرى الزراعية الأولى، إلى الإمبراطوريات، ثم إلى المدن الحديثة التي تحمل آثار كل ما سبقها. نينوى ليست شاهدًا على التاريخ فحسب، بل أحد صانعيه الأوائل.

تقع محافظة نينوى في شمال العراق، وتشكل حلقة وصل طبيعية بين وادي الرافدين والأناضول وبلاد الشام. هذا الموقع جعلها منذ أقدم العصور منطقة جذب للاستقرار البشري، ومسارًا للهجرات، والتجارة، والجيوش، والأفكار، فكان أن تحوّلت إلى واحدة من أكثر مناطق العراق كثافةً حضارية وتنوعًا إنسانيًا.

الاسم والجذور التاريخية
تُعدّ نينوى واحدة من أقدم مناطق العراق مأهولة بالسكان، واسمها مرتبط بتاريخ طويل من الحضارة الإنسانية. تأسست المدينة منذ نحو 6000 عام قبل الميلاد، وكانت جزءًا من قلب الإمبراطورية الآشورية منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد.

تطورت نينوى من قرية زراعية صغيرة إلى مدينة مركزية لعبت دورًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا عبر العصور. امتدت سلطتها ضمن نطاق آشور حتى سقوط الإمبراطورية الآشورية الحديثة بين 612 و599 قبل الميلاد، واستمرت كمقاطعة آشورية خلال العصور الأخمينية والسلوقية والرومانية، قبل الفتوحات الإسلامية في منتصف القرن السابع الميلادي.

وخلال الفترة الرومانية–الفرثية (92 ق.م – 226 م)، برزت الحضر كعاصمة لمملكة عربية مهمة، شكلت دولة عازلة بين الإمبراطوريتين قبل سقوطها بيد الساسانيين، لتصبح لاحقًا جزءًا من إقليم أربايستان (Arbāyistān)، أي (أرض العرب)، كما جاء في نقوش شابور الأول، مؤكدًا ارتباطها بسكان المنطقة العرب القدماء.

مع دخول الإسلام، شهدت نينوى توافدًا تدريجيًا للمسلمين العرب، الكرد، والتركمان، فيما حافظ السكان الآشوريون الأصليون على حضورهم الثقافي والديني، واستمروا في استخدام اسم “آثورا” للدلالة على الإقليم الكنسي.

نينوى والمجال العراقي: التأكيد على الانتماء
لم تكن نينوى يومًا كيانًا منفصلًا عن المجال العراقي، لا في الجغرافيا ولا في التاريخ ولا في تشكّل الدولة الحديثة. فمنذ تشكّل بلاد الرافدين بوصفها وحدة حضارية، كانت نينوى جزءًا عضويًا من هذا الفضاء، تشارك في دوله، وصراعاته، ونُظمه السياسية، دون انقطاع. وفي العصر الحديث، أُدرجت نينوى ضمن الدولة العراقية منذ تأسيسها، وحدِّدت حدودها الإدارية والقانونية بوضوح، بوصفها محافظة عراقية متعددة المكونات، لا إقليمًا قوميًا مغلقًا ولا امتدادًا إثنيًا أحاديًا.

ويكتسب هذا التأكيد أهميته في ظل محاولات متكررة لقراءة تاريخ نينوى قراءة انتقائية، تُسقِط تنوعها العميق وتُعيد تعريفها وفق منطق قومي معاصر لا ينسجم مع حقائق التاريخ ولا مع بنية المجتمع المحلي. فنينوى، مثل كركوك، ليست ملكًا لسردية واحدة، بل هي مساحة عراقية جامعة، تشكّلت عبر قرون من التعايش بين العرب والكرد والتركمان والآشوريين وسواهم، ضمن إطار سياسي وثقافي ظل مرتبطًا بالمركز الرافديني، لا منقطعًا عنه.

الموصل: مدينة الوصل وذاكرة الإمبراطوريات
تُعدّ الموصل مركز محافظة نينوى وعاصمتها الإدارية، ومدينة ذات مكانة فريدة في التاريخ العراقي. ويحمل اسمها في صيغته العربية الحالية «الموصل» معنى “نقطة الوصل” أو “مدينة العبور”، في إشارة إلى موقعها الجغرافي الذي ربط عبر القرون بين بلاد الشام والأناضول ووسط العراق. وعلى الضفة الشرقية للمدينة، تقف أطلال نينوى القديمة شاهدة على امتدادها الحضاري العميق.

عُرفت الموصل بعدة ألقاب تعكس مكانتها وجمالها: الفيحاء، والخضراء، والحدباء، و”لؤلؤة الشمال”. بهذا التراكم التاريخي، لم تكن الموصل مجرد مدينة حديثة، بل طبقة متواصلة من الحضارات، حملت آشور إلى العصور الوسطى ثم إلى الدولة العراقية الحديثة، وبقيت رمزًا للوصل وللتعدد لا للإلغاء.

لهجة الموصل: نغمة لغوية فريدة
تتميز لهجة أهل الموصل بنغمة واضحة وغريبة عن باقي لهجات العراق، نتيجة تراكم حضاري وجغرافي طويل. المدينة احتضنت تأثيرات لغوية متنوعة من العربية القديمة والسريانية والآرامية، إضافة إلى التركية والفارسية. موقعها كحلقة وصل بين شمال العراق ووسطه والشام جعلها معرضة لهجرات مستمرة، من عرب وشركس وكرد وتركمان، وكل موجة تركت بصمتها على النطق والمفردات. ولهذا السبب، تظهر في اللهجة الموصلية نغمة خاصة وكلمات فريدة، تعكس ارتباط سكان المدينة بهويتهم المحلية واعتزازهم بتاريخهم العريق.

المطبخ الموصلي: نكهات تتجاوز الزمن
لا يكتمل الحديث عن نينوى والموصل دون الإشارة إلى المطبخ الموصلي الذي يعكس تعدد ثقافات المدينة وتاريخها الطويل. تشتهر الموصل بأطباقها الغنية التي تحمل تأثيرات آشورية، عربية، تركمانية، كردية وفارسية، وتمثل كل وجبة فيها جزءًا من ذاكرة المدينة.

من أبرز الأطباق المعروفة: الكبة الموصليّة المحشوة باللحم والصنوبر، واللقيمات الحلوة، والمقلوبة التي تُحضّر مع الأرز والخضروات واللحم بطريقة مميزة. كما تُشتهر الحلويات التقليدية مثل البقلاوة والفستقية، التي تُعد احتفالًا بالضيافة النينوية. ويُعكس في المطبخ الموصلي أيضًا التنوع البيئي للمنطقة، من استخدام الأرز والمحاصيل المحلية في الأطباق الرئيسية، إلى الأسماك الطازجة والطيور المائية في أطباق الأهوار، ما يجعل تجربة الطعام في الموصل رحلة عبر التاريخ والثقافة والمذاق، تمامًا كما هو حال المدينة نفسها.

الأقضية: تنوّع المكان ووحدة الحياة
تضم نينوى مجموعة من الأقضية التي تعكس تنوع الحياة الاجتماعية والجغرافية: عقرة، البعاج، الحمدانية، الحضر، الموصل، الشيخان، سنجار، تلعفر، وتلكيف. لكل قضاء خصوصيته، فسنغار وتلعفر تشتهران بالزراعة والبساتين، والشيخان والحضر مرتبطان بالثقافة والتاريخ المحلي، في حين تمثل الموصل مركزًا حضريًا وتجاريًا وإداريًا رئيسيًا يربط كل هذه الأقضية ببعضها البعض.

لم تُبنَ نينوى على أحياء صمّاء، بل على خطوط تماس لينة؛ يسكن فيها العرب والكرد والتركمان، المسلمين والمسيحيين واليزيديين، جنبًا إلى جنب، تتبدّل النسب ولا يتبدّل الحضور، وتبقى المحافظة أوسع من أي تصنيف ضيّق.

الزراعة والحياة الحيوانية
تعتمد نينوى على الزراعة بشكل رئيسي، حيث تُزرع محاصيل الحبوب كالقمح والشعير، والأرز في المناطق القريبة من المياه. كما تنتشر بساتين النخيل والفواكه، وتشكل تربية الأغنام والماعز نشاطًا اقتصاديًا أساسيًا في الأرياف. وتضم المحافظة تنوعًا بيئيًا غنيًا، من أسماك الأنهار والطيور المائية، إلى الجاموس والحيوانات البرية، ما يجعلها واحدة من أغنى مناطق العراق بيئيًا.

الإنسان في نينوى: ذاكرة تتخطى الزمان
تميّز الإنسان النينوي بعلاقته العميقة مع الأرض والتاريخ، حيث تعلم كيف يعيش مع التنوع والتقلبات البيئية والسياسية، محافظًا على هويته وتاريخه. الهجرة والعودة والعمل على الأرض، والصبر في مواجهة التحديات، كلها عناصر شكّلت شخصية نينوى، وجعلت أهلها أكثر وعيًا بأهمية التعايش والتعدد.

خاتمة
نينوى ليست محافظة تُقرأ من الخرائط فقط، بل من خلال تاريخها العميق، ومدنها، وأقضيتها، وأهلها. من الموصل إلى تلعفر، ومن أهوار الحضر إلى آثار نينوى العريقة، تتشكّل حكاية عراقية متصلة، تختزن الحضارة، والذاكرة، والصبر البشري.

في نينوى، لا تتنازع الهويات… بل تتعايش، لأن المحافظة تعلمنا أن النجاة لا تكون بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل، وبأن العراق، في أعمق معانيه، يشبه نينوى أكثر مما يشبه أي محافظة أخرى.

انتهى