رياض سعد
تمهيد تاريخي: جذور المسألة الحدودية
تُعدّ المسألة الحدودية بين العراق والكويت من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، إذ تعود جذورها إلى الحقبة العثمانية ثم مرحلة النفوذ البريطاني في الخليج … ؛ فقد كانت ولاية البصرة العثمانية تمتد جغرافياً لتشمل مناطق واسعة من الساحل الشمالي للخليج والمناطق الشرقية للسعودية فضلا عن المحمرة وعبادان والاهواز، في حين تبلورت الكيانات السياسية الحالية في ظل ترتيبات دولية أعقبت الحرب العالمية الأولى … .
ومع استقلال العراق عام 1932، ظلّت الحدود مع الكويت محل نقاش سياسي وقانوني إلى أن جرى ترسيمها بصورة نهائية بقرار من مجلس الأمن بعد عام 1991، في أعقاب حرب الخليج الثانية… ؛ و هذا الترسيم، الذي رعته الأمم المتحدة، أعاد تعريف الحدود البرية والبحرية، بما في ذلك تنظيم الملاحة في خور عبد الله ؛ لصالح الكويت وتنكيلا بالنظام الصدامي البائد .
خور عبد الله وأبعاده الاقتصادية
يمثل خور عبد الله شرياناً بحرياً استراتيجياً للعراق، إذ يربط موانئه الجنوبية — وعلى رأسها ميناء أم قصر — بالمياه الدولية… ؛ ومن هنا تبرز حساسية أي ترتيبات قانونية أو ملاحية تتعلق بهذا الممر، نظراً لانعكاسها المباشر على الاقتصاد العراقي وحركة التجارة والطموحات اللوجستية المستقبلية .
في هذا السياق، يشكّل مشروع ميناء الفاو الكبير ركيزة أساسية في الرؤية العراقية للتحول إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة يربط الخليج بأوروبا عبر مشروع “طريق التنمية”… ؛ ومن الطبيعي أن تتقاطع المصالح الإقليمية حول هذا المشروع، خاصة في ظل وجود موانئ منافسة في المنطقة .
من منظور عراقي، فإن أي ترتيبات بحرية ينبغي أن تضمن حرية الملاحة الكاملة، وألا تؤدي إلى تضييق اقتصادي أو تقليص للسيادة البحرية العراقية، مع الالتزام بالقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
الموقف الكويتي بين السيادة والجدل القانوني
تؤكد الكويت أن الحدود رُسمت بالقرار الدولي الجائر بعد عام 1991، وأن أي تعديل أو إعادة نظر ينبغي أن يتم عبر القنوات القانونية والدبلوماسية المعترف بها دولياً… ؛ في المقابل، ترى أصوات عراقية أن بعض الإجراءات التطبيقية الخاصة بالملاحة والتنظيم البحري تحتاج إلى مراجعة بما يحقق توازناً عملياً وعادلا يحفظ المصالح العراقية .
الجدل هنا ليس مجرد خلاف سياسي، بل يرتبط بتفسيرات قانونية للاتفاقيات البحرية، وحدود المياه الإقليمية، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وحقوق الارتفاق الملاحي في الممرات المشتركة .
اصطفافات مجلس التعاون: تضامن أم توازن مصالح؟
عندما أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي بيانات داعمة للموقف الكويتي، فُهم ذلك في بغداد على أنه اصطفاف سياسي يتجاهل المخاوف والحقوق العراقية التاريخية … ؛ غير أن قراءة أوسع تشير إلى أن المجلس، بوصفه تكتلاً إقليمياً، يميل تقليدياً إلى تبني مواقف جماعية في القضايا التي تمس إحدى دوله الأعضاء .
لكن من منظور المصالح العربية الأوسع، كان يمكن للدول المعنية أن تلعب دور الوسيط الإقليمي، لا سيما وأن استقرار العراق يشكّل ركناً أساسياً في أمن الخليج ككل… ؛ فالعراق ليس طرفاً هامشياً في المعادلة، بل دولة محورية ذات ثقل سكاني وجغرافي واقتصادي ومن الدول الخليجية ايضا .
حقل الدرة وتعقيدات الإقليم
يُضاف إلى المشهد ملف حقل الدرة الغازي، الذي يقع في منطقة بحرية متداخلة بين الكويت والسعودية وإيران والعراق … ؛ اذ أي ترتيبات إقليمية متعلقة بالمياه الاقتصادية تثير حساسية عراقية، خصوصاً إذا ارتبطت بمفاهيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري والحقوق التاريخية .
نحو مقاربة عراقية جديدة
إن الدفاع عن المصالح العراقية لا يكون عبر التصعيد اللفظي، بل من خلال*
تفعيل الدبلوماسية القانونية الدولية عبر اللجوء إلى التحكيم أو التفاوض الفني المتخصص .
*تعزيز البنية التحتية البحرية بما يقلل من الاعتماد على الممرات المشتركة قدر الإمكان .
*تحويل ميناء الفاو إلى مشروع تكاملي يخدم المنطقة بأسرها، بدلاً من أن يُنظر إليه كمشروع تنافسي صفري .
*بناء تحالفات اقتصادية ذكية تقوم على المصالح المتبادلة لا الاصطفافات السياسية.
*التنسيق مع القوى الكبرى لاسترجاع الاراضي والمياه العراقية ولو بتقديم بعض التنازلات .
خاتمة
إن العراق، بتاريخ حضارته وموقعه الجيوسياسي، ليس دولة هامشية في معادلات الخليج… ؛ وأي ترتيبات إقليمية مستدامة يجب أن تنطلق من مبدأ العدالة في توزيع الحقوق البحرية وضمان حرية الملاحة والتنمية الاقتصادية المشتركة .
إن معالجة ملف خور عبد الله وميناء الفاو لا ينبغي أن تتحول إلى صراع إرادات، بل إلى فرصة لإعادة صياغة علاقات إقليمية أكثر توازناً، تُراعي القانون الدولي وتحفظ للعراق حقه في التنمية والسيادة الاقتصادية، وفي الوقت ذاته تفتح الباب أمام تعاون خليجي–عراقي قائم على المصالح المشتركة لا على منطق الغلبة السياسية .