صباح البغدادي
(*) صداق أو لا تصدق أيها القارىء الكريم وحسب ما نراها حاليآ فأن “الخسائر البشرية الأمريكية ستكون القاتل السياسي لترامب أكثر من إيران” ؟
بعد متابعة خطاب حالة الاتحاد بترقب وانتباه شديدين، يمكننا القول بثقة – وليس مجرد ظن أو تخمين – إن القيادة الإيرانية كانت تتابع كل كلمة بعين ناقدة وحذرة. فور انتهاء الخطاب، سيجتمع مجلس الأمن القومي، وقيادة الحرس الثوري، وقيادة الجيش، ووفد المفاوضين المعني بجولة جنيف اليوم، لإعداد تقرير عاجل يُرفع إلى المرشد الأعلى علي خامنئي. هذا التقرير سيفصل الموقف الأمريكي إلى محاور: هل كان الخطاب إعلان حرب مبطن، أم مجرد ضغط تفاوضي أخير؟ففي نظرتنا الاستباقية وتحليلانا في مقالنا يوم امس لم يكن مجرد تلخيص للخطاب، بل كانت محاولة حقيقية لفك شيفرة ما وراء الكواليس: كيف قرأ النظام الإيراني الخطاب، وكيف سيترجم ذلك إلى موقف تفاوضي أو تصعيدي في جنيف اليوم. لأنه يذكّر بكيف تُصنع “الذرائع” للحروب.
ومن المتوقع أن ينقسم التقييم الإيراني إلى اتجاهين رئيسيين:
- الجناح المتشدد (الحرس الثوري وأنصاره) سيفضل الذهاب إلى آخر الطريق ورفض كل الشروط المسبقة لترامب، معتبرين أن أي تنازل في هذه المرحلة سيُفسر كاستسلام يهدد بقاء النظام.
- الجناح البراغماتي (بعض أجنحة الخارجية والرئاسة) سيطالب بالدبلوماسية والقبول بتنازلات محسوبة لتجنيب إيران حرباً تدميرية قد تطال البنية التحتية والاقتصاد.
غداً الأربعاء، ستكون عناوين الصحف الإيرانية مرآة واضحة للاتجاه الرسمي:
- الصحف المتشددة (كيهان، جوان، فارس) ستصف الخطاب بـ”التهديد الصهيوأمريكي” وتدعو إلى “الصمود والرد بالمثل”.
- الصحف الإصلاحية (شرق، اعتماد) ستحاول التخفيف من حدة التوتر، وتدعو إلى “الحكمة” و”استغلال الفرصة الأخيرة للحوار”.
ما لفت الانتباه بشكل خاص في الخطاب هو التركيز اللافت على “شيطنة” الصواريخ البالستية الإيرانية، وليس البرنامج النووي فقط. فقد أشار ترامب إلى أن هذه الصواريخ قادرة على ضرب أوروبا والأراضي الأمريكية، في محاولة واضحة لكسب تعاطف الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يرفض الخيار العسكري ويفضل المسار الدبلوماسي. هذه الطريقة تُذكّرنا بشدة بالعبارة الخالدة ” إنها وصمة عار ستظل ملتصقة بجبيني إلى الأبد” بخطاب وزير الخارجية الأسبق كولن باول (1) الشهير أمام مجلس الأمن في 5 شباط 2003، حين قدم “أدلة” مضللة عن أسلحة دمار شامل عراقية قادرة على ضرب أوروبا، لتبرير الغزو لاحقاً. واليوم في جنيف، سيكون الوفد الإيراني يحمل هذا الخطاب كخريطة طريق: هل يذهبون إلى التنازل المحسوب لكسب الوقت، أم يختارون المواجهة المفتوحة؟
الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المفاوضات، بل مسار المنطقة بأكملها في الساعات والأيام القادمة.
وكما أوضحنا سابقا ونؤكد بان إيران ستُقرأه بعين حذرة وناقدة، وستُقسّم خياراتها بين الصمود المتشدد والتنازل المحسوب، لكن النتيجة واحدة: إما حلحلة دبلوماسية هشة تُؤجل الصدام، أو مواجهة عسكرية قد تُشعل المنطقة بأكملها. ويمكن القول إن الرئيس ترامب حاول تقديم نفسه كـ”صانع سلام يفضّل الدبلوماسية”، لكن الانقسام كان واضحًا للعيان: في لهجته، في طريقة إلقائه، في التوتر الذي بدا في عينيه، وحتى في التباين بين تصفيق الجمهوريين المبالغ فيه وصمت الديمقراطيين المريب. لم يحسم ترامب أمره بعد – وهذا ليس ظنًا، بل ملاحظة مباشرة – فهو لا يزال يتصارع داخليًا بين خيارين:
- شن ضربة عسكرية حاسمة إذا شعر أن إيران تُماطل لكسب الوقت في ملفي التخصيب النووي ومدى الصواريخ البالستية.
- الإبقاء على مسار “الضغط الأقصى” مع تهديد قاسٍ، لكن هذا المسار لن يظل مفتوحًا إلى الأبد.
وما لفت الانتباه لنا ونحن نتابع بشكل خاص في خطاب ترامب هو التركيز اللافت على “شيطنة” الصواريخ البالستية الإيرانية، وليس البرنامج النووي فقط. لقد أكد أن هذه الصواريخ قادرة على ضرب أوروبا والأراضي الأمريكية، في محاولة واضحة لجر الاتحاد الأوروبي إلى مربع التهديد المباشر، بعد أن ظل يرفض الخيار العسكري ويتمسك بالحوار.هذه الطريقة ليست جديدة، بل هي استعارة مباشرة مما حدث مع العراق بعد حرب الخليج الأولى عام 1991. قرار مجلس الأمن رقم 687 فرض سقفًا صارمًا على مدى الصواريخ العراقية (150 كم كحد أقصى)، كشرط أساسي لرفع العقوبات الاقتصادية وتفكيك برنامج الصواريخ البالستية. الهدف الإسرائيلي-الأمريكي آنذاك كان واضحًا: تقليص القدرة الصاروخية العراقية إلى حد لا يشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل أو حلفائها.ترامب اليوم يستخدم نفس المنطق مع إيران: “لا نريد صواريخ قادرة على ضرب أوروبا أو أمريكا”، وهو ما يُترجم عمليًا إلى رغبة في سقف مدى صاروخي منخفض (300 كم أو أقل)، تمامًا كما فرض على العراق سابقًا. هذا ليس مصادفة، بل نمط متكرر في السياسة الأمريكية تجاه أي قوة إقليمية تُشكل تهديدًا محتملاً لإسرائيل أو للمصالح الأمريكية.اليوم في جنيف، سيكون الوفد الإيراني يحمل هذا الخطاب كخريطة طريق: هل يقبل بتنازلات في ملف الصواريخ (كما حدث مع العراق)، أم يرفض ويستعد للمواجهة الكاملة؟ ومع الانقسام الحاد الذي رأيناه
فان القرار الأخير بما يخص إيران بيد الرئيس ترامب تحديداً بعد تقديم الإحاطة السرية إلى والتي تعقبها دائماً قرارات تهم الامن القومي الأمريكي! (2) وحسب القانون الأمريكي (National Security Act of 1947 وتعديلاته، خاصة § 501–504) يلزم الرئيس بإخطار الكونغرس “في الوقت المناسب” بأي عمل استخباراتي أو عسكري سري، لكن في حالات استثنائية (ظروف طارئة، سرية فائقة، مخاطر تسريب، أو عملية تحتاج سرعة قصوى)، يُسمح للرئيس بإخطار “Gang of Eight” فقط بدلاً من اللجان كاملة أو الكونغرس بأكمله.وتُعرف رسمياً باسم “Gang of Eight” (أو “الثمانية الكبار”)، وهي مجموعة محدودة جداً من 8 أشخاص فقط يُخطرون بالمعلومات السرية الأكثر حساسية عندما يقرر الرئيس عدم إبلاغ الكونغرس كاملاً أو حتى لجان الاستخبارات المختصة (House and Senate Intelligence Committees) بأكملها.
وتفسيري الاستراتيجي لهذا الإجراء في سياق إيران اليوم:إذا قرر ترامب فعلاً توجيه ضربة عسكرية محدودة (أو حتى سلسلة ضربات) ضد إيران بعد فشل مفاوضات جنيف غداً الخميس، فمن المرجح جداً أن يتبع الإجراء التالي:
- لا يُخطر الكونغرس كاملاً مسبقاً، لأن ذلك سيؤدي إلى تسريبات فورية، نقاشات علنية، ومحاولات ديمقراطية لمنع العملية (كما حدث في 2019–2020).
- يُخطر “Gang of Eight” فقط، وغالباً بعد بدء العملية أو في اللحظات الأخيرة قبلها (كما يسمح القانون في “ظروف طارئة”).
- هذا يعطيه غطاءً قانونياً شكلياً، لكنه يُثير غضباً سياسياً كبيراً من الديمقراطيين الذين سيتهمونه بـ”تجاوز الكونغرس” و”عدم الشفافية”، مما يُشعل جدلاً دستورياً داخلياً.
الآن، ومع تصاعد التوتر الأمريكي-الإيراني إلى حافة نقطة اللاعودة، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا كعراقيين: كيف نحمي بلدنا من تداعيات صراع لسنا طرفاً فيه أصلاً؟نحن نكتب هنا لجمهور عراقي يعيش الواقع يومياً، ونطرح أسئلة واستفسارات يتجنبها معظم الإعلام الرسمي والقنوات الكبرى، ليس لأنها أسرار قومية تهدد استقرار الأنظمة إذا كُشفت، بل لأنها تتعارض مع الخطوط الحمراء والسياسات التحريرية المفروضة مسبقاً. هذه الأسئلة ليست من النوع الذي يُسقط حكومات، لكنها تكشف حقائق محرجة، وتُجبر على مواجهة التناقضات الداخلية والإقليمية التي يُفضّل البعض طمسها.هذا بالضبط الفرق الجوهري بيننا وبينهم ونحن لا نكتب تحت سقف سياسي أو تحريري محدد مسبقاً، ولا نخشى أن تُعتبر أسئلتنا “مزعجة” أو “خارج الإجماع”. نحن نطرح ما يجب أن يُطرح، لأن الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حياداً، بل تواطؤاً. والعراقيون يستحقون قراءة تحليلية صريحة، لا تقارير مُجتزأة تُقدَّم لهم كحقيقة كاملة.السؤال ليس مجرد “ماذا سيحدث؟”، بل “ماذا سيحدث لنا إذا لم نتحرك ولم نطرح السؤال الصحيح الآن؟”
وهذا ما سنستمر في فعله، مهما كانت الخطوط الحمراء التي يضعها الآخرون.
وذا كيف يمكن لبلدنا تجنب تداعيات هذه الحرب المحتملة؟ العراق اليوم غير قادر على تحمل أي تورط إضافي، خاصة مع التحديات الداخلية الراهنة مثل فرض ضرائب عشوائية تعسفية غير مدروسة، وتأخير دفع الرواتب، والأزمات الاجتماعية الناتجة عن ذلك. على الحكومة أن تدرك خطورة الموقف، وأن تتجنب أي استفزاز عفوي أو مفتعل من جانب الفصائل الولائية المسلحة، لأن مثل هذا التورط – مهما كانت التبريرات الحكومية – لن يجدي نفعًا أمام إصرار الرئيس ترامب على الذهاب إلى آخر الطريق: إما استسلام إيران لشروطه أو شن ضربة عسكرية “محدودة ولكنها مؤثرة”، والتي تعني في الواقع إعلان حرب. إيران لن تسكت هذه المرة، وسوف ترد بأقصى ما يمكنها لإجبار أمريكا على العودة إلى طاولة المفاوضات، مما يجعل الحل الدبلوماسي الوحيد خيارًا، لكن تحت الضغط الساحق.النظرة الاستراتيجية الاستباقية:من منظور استباقي، إذا تورطت الفصائل الولائية في أي رد عفوي أو مفتعل، فإن ذلك سيؤدي إلى سيناريو كارثي: أزمة اقتصادية أعمق مع عقوبات أمريكية جديدة تُفاقم الضرائب والتضخم، وانهيار اجتماعي يُشعل احتجاجات مشابهة لـ”تشرين 2019”. الحكومة، كحكومة تصريف أعمال، ستجد نفسها عاجزة عن الرد، مما يُلقي الكرة في ملعب مجلس النواب، الذي فشل أساسًا في إكمال الاستحقاقات الدستورية.
أما إيران، فستستغل أي تورط عراقي لتعزيز روايتها كـ”ضحية”، مما يُعقد أي حل دبلوماسي. الخيار الأمثل للعراق هو البقاء على الحياد التام، مع الضغط على الفصائل للكف عن أي استفزاز، لأن أي حرب لن تكون “محدودة”، بل ستكون شاملة ومدمرة، وستدفع بغداد ثمنًا باهظًا لصراع ليس صراعها.
الساعات القادمة في جنيف ستحدد الكثير، لكن العراق يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى حكمة سياسية حقيقية لتجنيب الشعب كارثة جديدة.
ولان الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المفاوضات، بل مسار المنطقة بأكملها في الأشهر القادمة – والعراق، شئنا أم أبينا، سيكون أحد أبرز ساحات هذه المواجهة.
(1) في خطاب تاريخي أمام مجلس الأمن في 5 فبراير 2003، قدّم وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أدلة “مضللة”
، زاعماً امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وصواريخ كيمياوية وبيولوجية قادرة على ضرب أوروبا والمنطقة، بهدف شرعنة غزو العراق، ووصف باول لاحقاً هذا الخطاب بـ “الوصمة العار ” في مسيرته المهنية.
- مزاعم الصواريخ والتهديد: استند باول في كلمته إلى تقارير استخباراتية غير موثوقة (من مصادر مثل أحمد الجلبي) للقول إن صدام حسين يمتلك صواريخ (مثل صواريخ “الصمود/2”) قادرة على تهديد الجوار وأوروبا بأسلحة كيمياوية وبيولوجية.
- عرض الأدلة: عرض صوراً للأقمار الصناعية زعم أنها تظهر شاحنات ومختبرات بيولوجية متنقلة، ومخابئ أسلحة، واتهم بغداد بخداع المفتشين الدوليين.
- الخداع الإستراتيجي: أقر باول لاحقاً بأن خطابه كان مليئاً بـ”المغالطات” و”الأكاذيب” التي كتبها مسؤولو إدارة بوش (مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد) لتبرير الحرب.
- السياق والتداعيات: هدف الخطاب إلى إقناع العالم بضرورة التحرك العسكري، وقد مهد الطريق لـغزو العراق في مارس 2003، الذي أدى إلى انهيار الدولة العراقية، ونتج عنه مقتل مئات الآلاف من العراقيين. وكولن باول قال بالفعل هذه العبارة، وهي من أشهر ما نُسب إليه بعد فضيحة خطابه أمام مجلس الأمن في 5 شباط 2003.النص الدقيق الذي قاله:في مقابلات لاحقة (أبرزها مقابلة مع باربارا والترز في برنامج 20/20 على قناة ABC بتاريخ 16 سبتمبر 2005)، قال كولن باول حرفياً:
- “It was a blot, a failure that will always be attached to me. I will forever be known as the one who made the case for war based on faulty intelligence.”
- (ترجمة حرفية: “كانت وصمة عار، فشلاً سيظل ملتصقاً بي إلى الأبد. سأُعرف إلى الأبد بأنني الشخص الذي قدم المبرر للحرب استناداً إلى معلومات استخباراتية خاطئة.”)
- لكن العبارة الأكثر شهرة والتي تُنقل غالباً بالعربية هي:
- “إنها وصمة عار ستظل ملتصقة بجبيني إلى الأبد”
- (أو “سوف أحملها وصمة عار على جبيني إلى الأبد”)
(2) تتكون هذه المجموعة من:
- رئيس مجلس النواب (Speaker of the House) – حالياً مايك جونسون (جمهوري)
- زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ (Senate Majority Leader) – حالياً جون ثون (جمهوري)
- زعيم الأقلية في مجلس النواب (House Minority Leader) – حالياً حكيم جيفريز (ديمقراطي)
- زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ (Senate Minority Leader) – حالياً تشاك شومر (ديمقراطي)
- رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب (House Intelligence Committee Chair) – حالياً مايك ترنر (جمهوري)
- نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب (Ranking Member) – حالياً جيم هايمز (ديمقراطي)
- رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ (Senate Intelligence Committee Chair) – حالياً مارك وارنر (ديمقراطي)
- نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ (Ranking Member) – حالياً سوزان كولينز (جمهوري)