صباح البغدادي
لم يكن هذا البيان – بهذه الصيغة الحادة والتوقيت المفاجئ – ليخرج بهذه الطريقة لولا أمرين اثنين:
- إملاءات خارجية مباشرة
البيان لم يأتِ من فراغ داخلي عراقي بحت، بل يحمل بصمات واضحة لتوجيه إيراني مباشر. التوقيت (بعد ساعات من خطاب حالة الاتحاد، وقبل ساعات من جولة جنيف الحاسمة) يُظهر أنه رد فعل مُنسَّق وليس عفوياً. عبارات مثل “فرض إرادتها” و”عدم الندية بين الدول ذات السيادة” هي لغة مكررة في خطاب الحرس الثوري وقيادات حزب الله العراقية، ولا تُصاغ بهذه الدقة إلا عندما يُطلب من الفصائل إصدار موقف موحد يخدم الاستراتيجية الإيرانية في هذه اللحظة الحساسة.
وشدد البيان على أن “الإصرار على التنصل والمماطلة لا يترك أمام المقاومة العراقية إلا تحمُّل مسؤولياتها الشرعية والأخلاقية في اتخاذ المواقف التي تليق بكرامة الشعب وحقه المشروع في إنهاء الاحتلال، إذا ما أصرت الولايات المتحدة على إبقاء وجودها وفرض إرادتها على البلاد”.
- رسالة مزدوجة إلى واشنطن وطهران
البيان ليس موجهاً للرأي العام العراقي فقط، بل هو رسالة مزدوجة:- إلى البيت الأبيض: “إذا ذهبتم إلى الضربة العسكرية، فإن العراق لن يبقى ساكتاً، وستجدون مقاومة مسلحة داخلية تُكلفكم غالياً”. هذا تهديد مبطن بإعادة سيناريو هجمات 2020–2021 على القواعد الأمريكية.
- إلى طهران: “نحن ملتزمون، وجاهزون للدور المطلوب منا إذا قررتم المواجهة”.
كيف ستقرأ إدارة البيت الأبيض هذا البيان؟
- القراءة الرسمية (السيناريو الأكثر احتمالاً):
سيُصنَّف البيان كـ”تهديد مباشر من الفصائل المدعومة إيرانياً”، وسيُستخدم كدليل إضافي على أن “إيران لا تريد السلام”، وأن “المليشيات الولائية” هي أداة ابتزاز إيراني. هذا سيُعزز حجة الجناح المتشدد داخل إدارة ترامب (روبيو، راتكليف، ومستشارو الأمن القومي) للدفع نحو ضربة وقائية أو تصعيد عسكري، خاصة بعد إحاطة “Gang of Eight” أمس. - القراءة الواقعية (الأكثر ترجيحاً):
البيت الأبيض لن يأخذ البيان على محمل الجد كـ”تهديد عراقي مستقل”، بل سيراه كـ”رسالة إيرانية مُفوَّضة” من خلال وكلائها في العراق. هذا يعني أن أي رد أمريكي لن يكون موجهاً للعراق كدولة، بل للفصائل كأذرع إيرانية. وبالتالي، قد يُستخدم البيان كذريعة لتبرير استهداف مواقع هذه الفصائل مباشرة إذا اندلعت الضربة.
النظرة الاستراتيجية الاستباقية للعراق:
- إذا فشلت جنيف واندلعت ضربة أمريكية، فإن هذا البيان سيُصبح “الغطاء السياسي” الذي تحتاجه الفصائل الولائية للرد العفوي أو المفتعل داخل العراق.
- الحكومة (تصريف أعمال) ستجد نفسها عاجزة عن السيطرة أو التبرير، وسيُصبح البرلمان (الذي فشل في تشكيل الحكومة) هدفاً للانتقاد الشعبي والإيراني معاً.
- الخطر الأكبر: أن يتحول العراق إلى ساحة ثانوية للرد الإيراني، مع هجمات صاروخية أو مسيّرة على قواعد أمريكية، مما يُعيد إنتاج سيناريو 2020 بشدة أكبر، ويُفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
الخلاصة الحادة: البيان ليس مجرد “موقف مقاومة”، بل رسالة إيرانية مُفوَّضة تقول لترامب: “إذا ضربتم، فسنرد داخل العراق”.
والعراق – مرة أخرى – ليس طرفاً، بل أداة ووقوداً في صراع ليس صراعه.
الساعات القادمة ستكشف ما إذا كان هذا البيان بداية لتصعيد داخلي، أم مجرد “ورقة ضغط” إيرانية في لعبة أكبر.