بقلم: الأستاذ حسين شكران العقيلي
لا تمثل قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) مجرد تفصيل عقدي محصور في بيئة مذهبية أو جغرافيا دينية محددة، بل هي في جوهرها تمثل (النزعة الفطرية) للبشرية نحو الكمال، والصرخة المكبوتة في ضمير التاريخ ضد الظلم والجور.
إننا حين نتحدث عن المخلص، لا نتحدث عن شخصية تاريخية غائبة فحسب، بل نتحدث عن (مشروع إلهي) كوني يلتقي فيه العقل مع الفطرة، وتتقاطع عنده آمال المستضعفين في شتى بقاع الأرض، بغض النظر عن دياناتهم أو أعراقهم؛ ففكرة (المنقذ) هي القاسم المشترك الأعظم في الموروث الإنساني، حيث يجد المتأمل في الفلسفات القديمة والديانات السماوية وحتى الأيديولوجيات الوضعية خيطاً رفيعاً يربط بينها جميعاً، وهو الإيمان بحتمية وصول البشرية إلى محطة تاريخية يسود فيها القسط والعدل.
هذا الارتباط الكوني ليس وليد الصدفة، بل هو استجابة لنداء داخلي يرفض فكرة أن يكون مصير الإنسان هو الصراع الدائم، ومن هنا يبرز الإمام المهدي بوصفه (الوارث) لهذا الأمل الإنساني الطويل، والشخصية التي تمتلك البرنامج الواقعي لتحويل هذا الحلم من يوتوبيا خيالية إلى دولة عالمية ملموسة تتجاوز حدود “الطائفة” لتصبح قضية (الإنسان) .
إن (الكونية) في مدرسة الانتظار تعني أن الغاية من الظهور هي إخراج البشرية من ضيق الأنانية القومية والدينية إلى سعة الإنسانية الموحدة تحت مظلة التوحيد، فالموعود ليس ملكاً لجماعة، بل هو حق لكل مظلوم وضمانة لكل محروم، وهذا ما يجعل فكرة المهدي عابرة للقارات وقادرة على ملامسة شغاف القلوب التي تنشد الخلاص من تحديات الواقع المرير.
وفي خضم هذا الاستشراف للمستقبل، تبرز (القوة المتحركة) لهذا المشروع العالمي المتمثلة في جيل الشباب؛ فإذا كان المهدي عج هو قائد التغيير الأكبر، فإن الشباب هم سواعده وعماده المتين، حيث يتجاوز دورهم في عصر الغيبة العاطفة المجردة ليصل إلى مرتبة (الإعداد الاستراتيجي) وتهيئة القواعد الشعبية الواعية.
إن هؤلاء الشباب، بما يمتلكونه من مرونة فكرية وطاقة متجددة، هم الأقدر على كسر حواجز الجمود والانطلاق نحو بناء مجتمع (العدل التمهيدي) فالقاعدة التي ينتظرها الإمام ليست قاعدة ساكنة، بل هي قاعدة (مقتدرة ومنظمة) تمتلك ناصية العلم والتكنولوجيا، وتدير شؤون الحياة بأخلاق الفرسان وعقلية العلماء، ممهدةً الطريق لظهور العدالة الشاملة.
إن تهيئة القواعد للإمام المهدي تعني حضوراً فاعلاً في ميادين المعرفة والعمل الاجتماعي، حيث يقع على عاتق الجيل الشاب مسؤولية (تجسير الفجوة) بين القيم الإلهية والواقع المعاصر من خلال تقديم أنموذج إنساني يرفض الظلم في تفاصيل الحياة اليومية، ليكون مؤهلاً لرفضه على المستوى العالمي. هذا (الوعي الرسالي) يحول الانتظار من حالة ترقب سلبي إلى حالة صناعة للمستقبل، حيث يصبح الشاب الذي يتبنى قضية المهدي مؤمناً بدوره في إصلاح المنظومة الإنسانية وحماية حقوق المظلومين في كل مكان، مما يجعل من هذه القواعد (قواعد كونية) لا تحكمها الأطر الضيقة، بل يحركها الطموح نحو (دولة الإنسان الكامل) .
ختاماً، إن الإيمان بالإمام المهدي هو إقرار بأن الخير سينتصر في النهاية مهما طال ليل الظلم، وهي رؤية متفائلة تمنح الإنسان المعاصر القوة لمواجهة الأزمات. إننا أمام أطروحة عالمية تجعل من الأرض وطناً واحداً، ومن البشرية أسرة واحدة، ومن العدل ديناً لا يُظلم فيه أحد، حيث يمثل الشباب الجسر الذي يعبر عليه الوعد الإلهي إلى أرض الواقع، مساهمين في كتابة صفحات التاريخ التي تسبق الظهور المقدس، ليكونوا جزءاً من تلك القواعد التي تمثل حصن العدالة وملاذ الإنسانية المتعطشة للسلام والوئام تحت راية صاحب العصر والزمان.
الكونية في قضية الإمام المهدي( أبعاد عالمية خارج حدود الطائفة)