عالم بلا إنسانية

عالم بلا إنسانية !!

بقلم د.حسام شعيب

مما لا شك فيه أن مسيرة الإنسان هي قصة تطور مستمر ، وتكيف مبهر مع محيطه. فمنذ فجر التاريخ، لم يكتفِ الإنسان بالتأقلم مع الطبيعة فحسب ، بل أعاد تشكيلها لتلبية احتياجاته المتزايدة وتحقيق جودة حياة أفضل .

فقد استطاع في وقت مبكر من وجوده على هذه الأرض السيطرة على النار والتي كانت أولى خطواته للتدفئة، وطهي الطعام، وإبعاد الحيوانات المفترسة. كما استطاع أن يقوم بثورة زراعية من خلال الانتقال من حياة التنقل والالتقاط إلى الاستقرار وزراعة المحاصيل ، مما أدى إلى نشأة المجتمعات الأولى . وهو ذاته الذي قام بالثورة الصناعية فسخر الآلة واستخدام الفحم والنفط، مما ضاعف الإنتاجية وسهّل وسائل النقل والاتصال .

هذا التطور الذي وصل إلى أعلى ذروته في القرن العشرين حينما قام الإنسان بثورة رقمية لطالما كانت تعتبر ضرباً من السحر أو الجنون لو حصلت قبل ألفي عام . فقد استطاع الإنسان ابتكار الحواسيب ، والإنترنت ، والذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية جعلت العالم قرية كونية واحدة وعززت قدرتنا على فهم الكون ومعالجة البيانات . إلا أن هذا التطور فرض تحديات جمة قد
تهدد البشرية أو تجعلنا نفكر بقلق ، كالزيادة السكانية، وعواقب استخدام الطاقة النووية، والفجوة بين الأغنياء والفقراء ، واستنزاف الموارد الطبيعية ، والتغير المناخي وزيادة الانبعاثات ، وتراجع التنوع البيولوجي ، وارتفاع منسوب البحار ، وزيادة وتيرة الكوارث الطبيعية التي تشكل تهديداً مباشراً للموارد الغذائية ، والمياه ، وزيادة الاضطرابات الجيوسياسية والحروب والنزاعات المسلحة والتوترات الدولية مما أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية ، وزيادة معدلات النزوح واللجوء والهجرة القسرية ، عداك عن استخدام التكنولوجيا في الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي مما أفقد الكثيرين الوظائف التقليدية ، وسمح بانتهاك الخصوصية وانتشار المعلومات المضللة..

ويبقى السؤال هل سنكون قادرين على ضمان مشاركة علماء الأخلاق في اتخاذ القرارات المتعلقة بالاعتماد على التكنولوجيا كتجارب تحسين النسل ، واختيار ” الأشخاص المناسبين ” بصفات فكرية وجسدية معيّنة من خلال الحمض النووي ، أو كتلك المخاطر الخيالية والأخطار الحقيقية للرقائق الميكروية التي سيبدأ العلماء زرعها تحت الجلد في عام 2050 ، وثمة أشياء أخرى كثيرة كشف عنها عالم المستقبل الأمريكي الشهير راي كورزويل الذي قدم العديد من التنبؤات للمستقبل في عصره، بعضها ملهم للغاية، والبعض الآخر مزعج بصراحة !!

يقول نيكولاس أجار ، أستاذ الأخلاق في جامعة فيكتوريا في ويلينغتون (نيوزيلندا): « عندما تخلق التكنولوجيا المزيد والمزيد من الفرص بهذه السرعة ، من الصعب جداً إيجاد وقت للتفكير في الجانب الأخلاقي لما يتم اقتراحه ».

لا أعلم ان كان نيكولاس أجار قد أوجد مبرراً لأولئك الذين يصنعون التكنولوجيا على حساب الجانب الأخلاقي ، أم أنه أراد توصيف الواقع الراهن للعالم..؟!!

لطالما جلستْ مع نفسي أفكر وسرحت بخيالي إلى كل ما يحدث في واقعنا ، فقلت هل أصبح إنسان هذا الزمان غير مفهوم ، مُبهم التصرفات ، مزدوج الميول ، غير آبه بأحدٍ ، بحيث أصبح همهُ الأكبر ذاتهُ فقط (طبعًا بنسبة)! لا نعلم هل الحياة بتطوراتها هي من تفرض عليه هذا ، أم الحاجة تدفعهُ ، أم هو باتْ من نفسهِ يمشي عكس التيار ، ولا يُعطي للحياة مقامُها الذي لابدّ أن تكون فيهِ ، ليكون هو فيها..

رغم كل تلك المسيرة الإنسانية وتطورها عبر التاريخ ، ورغم قدرة الإنسان في السيطرة على كل تلك الأشياء المتعلقة بالمحيط والطبيعة ، إلا أن الإنسان نفسه لم يطور من نفسه أو يحافظ على تلك الفطرة الإنسانية التي منحها الله له..

فالإنسان الذي استطاع التأقلم والتعايش مع الطبيعة في الأرض وفي الفضاء ، لم يستطع أن يضع اطراً للتعايش السلمي على مستوى الدول والأفراد مع بني جنسه ، والذي لطالما كان هو الفيصل وأساس نجاح مشروع بناء مجتمع متمدن ذو سياسات صنعت المعايير الاخلاقية والاجتماعية بلا مواربة والشعار هو الارض للجميع والفائدة أيضاً للجميع .
وهو المعنى الذي أشار إليه القرآن العظيم عندما قال الله فيه: { ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم }

غياب العيش المشترك والسلام العالمي على مستوى الشعوب والدول شكل أزمة في عالمنا الإنساني ، تتجلى هذه الأزمة في صورٍ شتى ، تلامس كل مناحي الحياة ، فنراها في فسادٍ ينخر جسد المجتمعات ، وفي تعدٍ يعتصر قلوب الضعفاء ، وفي غشٍ وتدليسٍ يطفف الموازين ، وفي جشعٍ لا يعرف الشبع، يبتلع حقوق الآخرين ، وفي أجيال ضاعت وفسدت تحت ضغوط العصرنة والتكنولوجيا ، فنصل إلى تلك الحالة المأساوية التي يُصبح فيها المال سيداً ، والقوة طغياناً ، والمصلحة الشخصية قبلةً يتجه إليها كل عمل ، فتُرفع الحواجز الأخلاقية ، وتُسحق القيم الإنسانية تحت وطأة الأنانية المقيتة..

إن مشكلة البشرية في عصرنا الحاضر أنها لا تقف على إنسانيتها وتُعطي للضمير حقهُ ، أصبح معظم البشر على حسب أهوائهم يشكلون حياتهم وحياة الغير ، يفرضون فكرهم الجامد والمنحرف ومن ثم يدّعون الكمال والاستقامة والصواب ، أصبح ميزانهم مُتأرجح ما بين الخير والشر !
يقول فيكتور هيغو: ” الضمير هو روح العالم، به يعرف البشر بعضهم البعض، العالم لا يعاني من غياب القوانين والعقوبات ، العالم يعاني من غياب الضمير الإنساني ، الضمير هو الرادع الحقيقي لا العقوبة “.

حينما يموت الضمير ، تموت معهُ الكثير من الأشياء ، وتصبح بلا لون أو معنى ومُباحةٍ ، ويصبح معها الإنسان مُجرد هيكل جامد ، فارغ ، صداهُ في داخلهِ فقط !
يتحول الإنسان إلى كائن بلا قيم ، وتتفكك المجتمعات تحت وطأة المادية والأنانية ، وعلاج أزمة الضمير يبدأ من استحضار فكرة أن الإنسان هو روح الله وخليفتة على الأرض ، وأنه سيخلف بعضه فيها ، وبالتالي عليه أن يتحلى بتلك القيم والأخلاق والإنسانية التي ولدت معه.. كي يبقى النور الإلهي المزروع في فطرة الإنسان ، ويحيى الضمير ونعيش في عالم تميز عن غيره من العوالم بالانسانية .
د.حسام شعيب