رياض سعد
حين اجتاحت العواصفُ السوداء أطرافَ المحمودية، لم تكن البيوت وحدها هي التي تهدمت؛ بل تهدمت معها أشياء لا تُرى: الطمأنينة، والثقة، وإحساس الإنسان بأن الأرض التي يمشي عليها تعرف اسمه.
كان أحمد حمزة السلطاني واحدًا من أولئك الذين حملوا بيوتهم على ظهورهم ورحلوا.
لم يكن أحمد حمزة السلطاني يعلم، وهو يغلق باب داره في أطراف المحمودية للمرة الأخيرة، أن بعض الأبواب إذا أُغلقت لا تُفتح ثانيةً، حتى لو عادت المفاتيح إلى أصحابها.
كانت المنطقة تعيش سلامًا يشبه الرماد الذي يغطي جمرةً متقدة.
كل شيء يبدو هادئًا…
إلى أن هبطت غربان الشر، وخرجت خفافيش الظلام من كهوف الكراهية الطائفية ، فانفجرت الوحوش المختبئة في النفوس، وصارت البيوت تُغادر أصحابها قبل أن يغادروها.
حمل أحمد أطفاله وذكرياته وبعض ثيابه، ومضى مع آلاف المقتلعين من جذورهم.
وفي قضاء الحمزة الغربي بنى مأوى متواضعًا من أعمدة خشبية وصفائح صفيح وبلوك متآكل.
كان البيت أشبه بشاهد قبرٍ كبير لِحياةٍ ماتت.
وحين كانت الرياح تعصف ليلًا، كان يشعر أن الجدران ترتجف معه، وأن الفقر نفسه قد اتخذ هيئة منزل.
كان يجلس في الظلام ويتأمل أبناءه النائمين، ويسأل نفسه:
“أي ذنبٍ اقترفناه لنصبح لاجئين ؟!”
وبعدما انحسر المدُّ الإرهابي الأسود، و انقشعت سنوات الرعب , عاد الناس إلى مناطقهم كأسراب طيور مهاجرة تبحث عن أعشاشها المفقودة… ؛ عاد أحمد مع العائدين، لكنهم وجدوا ديارهم بلاقع، احياء خربة، حيطاناً مهدومة، وأثاثاً مسروقاً. لم يتركوا حجراً على حجر، كأن عدوى الكراهية أصابت الجماد كما أصابت البشر.. , وقف أحمد على أطلال بيته القديم، لم يجد بابًا.. , ولا نافذة.
ولا أثاثًا.
ولا أثرًا لصوت أمه الذي كان يملأ أرجاء المكان.
كانت الدار أشبه بعجوزٍ نُهبت ذاكرتها… ؛ وكأنه عاد الى بلدة لا تعرفه .
في تلك اللحظة أدرك أن اللصوص لا يسرقون الممتلكات فقط.
بعضهم يسرق أعمار الناس.
وبعضهم يسرق قدرتهم على الانتماء.
وكذلك أدرك حقيقة مؤلمة أخرى :
ليست كل البيوت التي تُهدم تُبنى من جديد، فبعض البيوت تُبنى داخل القلب، فإذا سقطت بقي الإنسان يتجول بين أنقاضها إلى الأبد.
اشترى بيتًا صغيرًا في إحدى مناطق التجاوزات ورحل عن بيته القديم المنكوب .
وكان يظن أن المصائب حين تتعب تتوقف.
لكنه اكتشف أنها أحيانًا تستريح فقط لتستأنف عملها لاحقًا.
وكان يبحث، مثل كثيرين، عن شيء أكبر من الراتب والطعام؛ كان يبحث عن معنى يعوضه عن كل ما خسره.
ففي محاولة للبحث عن معنى جديد لحياته، ولإيجاد سند ؛ انتمى إلى أحد المقرات الحزبية ( حزب الدعوة ) في قضاء المحمودية .
هناك رأى وجوهًا كثيرة تتحدث عن الإيثار.
لكنها تتسابق إلى المرايا أكثر مما تتسابق إلى خدمة الناس.
كانت الكلمات سماوية.
أما النفوس فكانت أرضيةً جدًا.
رأى وجوهًا كثيرة تتحدث عن الفضيلة أكثر مما تمارسها.
وكان يشعر كلما استمع إلى الخطب : أن المسافة بين الألسن والقلوب أبعد من المسافة بين الأرض والسماء.
عيون أحمد الثاقبة، التي صقلها الألم، كانت ترى ما وراء الوجوه… ؛ رأى أقنعة من صفيح تتحرك وتتكلم وتبتسم، تخفي خلف بريقها المصطنع أنانية متضخمة، ونرجسية مقيتة، وتعالياً فارغاً، وذوات متورمة كأنها أورام خبيثة… ؛ رأى أناساً يرتدون التقوى كما يُرتدى الثوب المستعار، يضيق عليهم تارة، ويتسخ تارة، ويُخلع في الخلاء تارة أخرى.
وذات يوم ضجّ المقر بحركة غير اعتيادية.
قيل إن أحد الدعاة القدامى سيزور المكان.
رجل من الرعيل الأول.
اسمُه السيد إبراهيم صابر الكوفي الناجي .
توقع أحمد أن يرى شخصية تحيط بها السيارات الفارهة والحمايات والوجوه العابسة.
لكنه فوجئ برجلٍ يدخل وحده.
وجهه يحمل براءة طفل.
وجهه مرآة لقلب لم تلوثه الأحقاد، ولم تزره الضغائن، ولم تعرفه أنانية المناصب .
وابتسامته تسبق خطواته.
وعيناه تشعان سلامًا نادرًا.
دخل مبتسمًا كما يدخل الأب إلى بيت أبنائه.
صافح الجميع واحدًا واحدًا، وسأل عن أحوالهم كأنه يعرفهم منذ سنوات.
عامل التنظيف.
الحارس.
الموظف.
الضيف.
الصغير .
الكبير .
كأنهم متساوون في ميزان قلبه.
راقبه أحمد طويلًا.
ثم قال في نفسه:
“إما أن هذا الرجل بارعٌ في التمثيل… أو أنه آخر الصادقين.”
ومنذ اللحظة الأولى شعر أحمد أن هذا الرجل مختلف.
فبعض الناس يملكون مناصب كبيرة وقلوبًا صغيرة.
وبعضهم يملكون قلوبًا كبيرة تجعل كل المناصب تبدو صغيرة.
مرت الأيام.
انجذب أحمد إلى هذا الرجل كانجذاب الفراشة إلى النور في ليل دامس .
وتبادلا أرقام الهواتف.
توطدت العلاقة بينهما.
وكان أحمد كلما احتاج شيئًا اتصل به.
وفي كل مرة يسمع الصوت نفسه:
“إن شاء الله خير.”
لم يكن يعد كثيرًا.
لكنه كان يفعل كثيرًا.
وفي احد الايام أتصل به أحمد:
ـ سيد ابراهيم … أحتاج إلى عمل.
ضحك الرجل وقال:
ـ يا أحمد، الطلبُ رخيص وأنت غالٍ.
ثم أضاف:
ـ دع الأمر عليّ.
وأغلق الهاتف.
بعد أيام حصل أحمد على وظيفة حارس.
لكن البلاد كانت ما تزال تتقيأ رصاصها كل ليلة.
وفي إحدى المناوبات شاهد بعينيه مجموعة من الإرهابيين يهاجمون مفرزة أمنية ويقتلون أفرادها بدمٍ بارد.
تجمد في مكانه.
وشعر أن قلبه يهرب من بين أضلاعه.
عاد إلى بيته مذعورًا.
وفي الصباح اتصل به السيد.
ـ لماذا تركت العمل؟
صمت أحمد.
كان بعض موظفي الجامعة ينظرون إليه بعيون الريبة، يتابعونه بصمت، يتهامسون خلفه… ؛ عيناه الخضراوان، وشعره الأشقر، وبشرته البيضاء الصافية، كلها صارت تهمة في زمن اختلطت فيه الدماء والملامح والانتماءات.
“من أنت؟” سأله أحدهم متهماً.
“أنا من هنا، من أبناء الأغلبية، ضحية مثل غيري.”
لكنه رأى في عيونهم التكذيب، وشعر في قلوبهم بالصد.
لم يشأ أن يخبره عن الموظفين الذين شكوا فيه بسبب ملامحه.. ؛ ومضايقاتهم المستمرة له ..
ولم يشأ أن يقطع أرزاق أحد منهم .
فقال:
ـ رأيت الموت بعيني يا سيد.
ولا أظن أن قلبي خُلق لهذا.
ساد صمت قصير.
ثم قال السيد بهدوء أبوي:
ـ يا أحمد…
بعض الرجال يخافون من رؤية الدم لأن الرحمة ما تزال حيةً فيهم.
ولا عيب في ذلك.
ثم أردف:
ـ سأجد لك عملًا آخر.
وذات عصرٍ قائظ اتصل السيد فجأة.
ـ أين أنت؟
ـ في البيت.
ـ أرسل العنوان… أريد زيارتك.
وصل بعد ساعة.
كان يحمل أكياسًا من اللحم والخضار والفواكه.
دخل البيت المتواضع.
نظر إلى الأعمدة الخشبية والجدران البائسة والسقف المرتجف.
حبس أحمد أنفاسه.
لكنه فوجئ بالرجل يبتسم.
ثم يدير بصره في المكان قائلًا:
ـ الله…
ما أجمل هذه الدار.
توقف أحمد مذهولًا.
ـ أي جمال فيها يا سيد؟
ابتسم السيد.
وأشار إلى الأطفال.
ثم إلى الزوجة.
ثم إلى وجوه أهل البيت.
وقال:
ـ البيوت لا تُقاس بجدرانها يا أحمد…
بل بمن يملؤونها حياة.
كانت تلك الكلمات أغلى من المال الذي أخرجه بعد ذلك ووضعه في يد أحمد.
لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يعطيه المال.
بل يحتاج أحيانًا إلى من يعيد إليه احترامه لنفسه.
عندها شعر أحمد أن الرجل لم يمدح البيت.
بل رمم شيئًا مكسورًا في داخله.
مرت أيام، ورن هاتف السيد إبراهيم:
“أين أنت يا سيدنا؟”
“في الشارع يا أحمد .”
“في الشارع! ماذا تفعل؟”
“أقضي حوائج إخواني والناس .. , أنا الآن في طريقي إلى وزارة الصحة، لأسعى في إجراء عمليات لمرضى فقراء لا يقدرون على تكاليف المستشفيات الخاصة، وأؤمن أدوية لآخرين أوشكت حياتهم على التوقف من اصحاب الامراض المزمنة .”
لمعت في عيني أحمد فكرة: “سيدنا، انتظرني، أنا قادم.”
ذهب معه أحمد.. , ورأى.. , رأى السيد إبراهيم يحمل كومة من الملفات والأوراق، يتنقل بين الطوابق، يصعد السلالم ويهبطها، يدق باباً هنا ويقف عند شباك هناك، يخاطب هذا ويقنع ذاك.. , لم يكن سيداً محمولاً على الأعناق، بل كان خادماً يحمل هموم الناس على كتفيه.. , كان ساعي بريد الرحمة، وحامل رسائل الأمل، وسفير البؤساء إلى أبواب السلطة.
وبعد ساعات من التعب، قال أحمد بضجر: “سيدنا، لقد تعبنا! كم نمشي وكم نراجع؟”
التفت إليه السيد إبراهيم باسماً: “ومن قال لك أن تأتي معي يا بني؟ ألم أقل لك منذ البداية: أنا أسعى في قضاء حوائج المحتاجين… ؛ هذا طريقي، وتعب هذا الطريق هو راحتي.”
قال أحمد، وقد امتزج خجله بجرأته: “يا سيدي… وأنا أيضاً محتاج! متى تقضي حاجتي؟”
ربت السيد على كتفه بحنان: “قريباً، يا أحمد، قريباً.. , كل شيء بأوانه.”
ثم توقف فجأة.
ونظر إلى أحمد قائلًا:
ـ يا ولدي…
معظم الناس يستهلكون الآخرين ليعيشوا… ؛ اما أنا استهلك عمري في خدمة الاخرين .
فالإنسان الحقيقي يستهلك عمره ليعيش الآخرون.
ظل أحمد صامتًا.
فقد شعر أن العبارة دخلت قلبه كالسهم.
ووفى السيد بوعده.. ؛ فقد اتصل بأحمد بعد أيام قليلة، وقد وجد له عملاً آخر، أفضل من سابقه.. ؛ و بدأت أمور أحمد تتحسن، وبدأت الحياة تبتسم له شيئاً فشيئاً، وانفرجت ضوائق كانت تغلق عليه آفاق الأيام.
مرت السنوات.
وتحسنت أحوال أحمد.
أما السيد فبدأ جسده يخونه.
أصابته الجلطات.. , وكان المرض يأكل جسده ببطء.. , لكن أحدًا لم يسمعه يشكو.
فصار يتنقل بين مستشفيات العراق وإيران، يحارب مرضه بصبر المؤمنين ويقين الصالحين… ثلاث سنوات طويلة، وهو يصارع الألم بصمت، لا يشكو ولا يئن، يبتسم للأطباء ويدعو للمرضى من حوله وهو على سرير المرض.
كأن الرجل كان يتعامل مع الألم بالطريقة نفسها التي كان يتعامل بها مع الناس:
بابتسامة.
وطوال هذه السنوات الثلاث، لم يره أحمد. لم يستطع زيارته، لم يعرف كيف يصل إليه. لكن صورة السيد كانت حية في قلبه، لا تذبل.
وحين جاء خبر وفاته، جلس أحمد طويلًا يبكي.
لم يبكِ سياسيًا.
ولا داعيةً.
ولا شخصيةً عامة.
بل بكى إنسانًا نادرًا.
إنسانًا أثبت له أن الفضيلة ليست خطبة.
ولا شعارًا.
ولا صورةً معلقة على جدار.
الفضيلة رجلٌ يمشي في الشوارع حاملًا ملفات الغرباء.
وربما لا يجد وقتًا ليحمل همومه هو.
شعر أحمد أن شيئًا من النور قد انطفأ.
بكى طويلًا.
ليس لأن رجلًا مات.
فالموت نهاية الجميع.
بل لأن الإنسان الصادق نادرٌ إلى درجة أن رحيله يجعل العالم أقل دفئًا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع أحمد من يتحدث عن النفوذ والجاه والمناصب، تذكر ذلك الرجل الذي لم يترك وراءه قصرًا ولا ثروة.
لكنه ترك شيئًا أعظم.
ترك قلوبًا كثيرة تنطق باسمه كلما ذُكرت الشهامة.
لأن بعض الناس يموتون فتُدفن أجسادهم.
وبعضهم يموتون فتبدأ حياتهم الحقيقية في ذاكرة الآخرين.
وكان السيد إبراهيم من الصنف الثاني.
وصار احمد السلطاني يلهج باسمه أينما حل وارتحل.. , يقف بين الناس في المقاهي والمجالس، في الأسواق والطرقات، ويقول والدموع تترقرق في عينيه كنجوم ليل شتوي:
“كان السيد ابراهيم الكوفي الناجي والدي الروحي… , كان إنساناً بكل ما في الكلمة من معنى.. , كان يذكرني بالسلف الصالح من أتباع آل البيت، أولئك الذين ساروا على الأرض وقلوبهم معلقة بالسماء.. , رجلٌ جُسّدت فيه الفضيلة حتى صارت لحماً ودماً، وسكنته الأخلاق حتى صارت هواءه الذي يتنفسه.”
ثم يمضي في وصفه، فتلمع عيناه وتنتفض كلماته:
“كان لا يأكل ديناراً من سحت، ولا يستغل جاهه الحزبي، ولا يتكبر على أحد.. , كان يمشي بيننا فلا تعرف أهو السيد أم الخادم، أهو القائد أم الجندي.. , كان شمعة أحرقت نفسها لتضيء طريق الآخرين، وظلت تحترق بصمت، بلا ضجيج ولا منّة، حتى ذابت وذاب معها آخر أمل في زمن ندر فيه النبلاء.”
وختم أحمد كلامه كل مرة بالعبارة نفسها، التي صارت كالوشم على روحه:
“في زمن كثر فيه الأدعياء واللصوص، وقلّ فيه الشرفاء والأتقياء، كان السيد إبراهيم الكوفي الناجي استثناءً يثبت القاعدة.. , كان ومضة في ليل حالك، انطفأت لتنير قلوبنا إلى الأبد.. ؛ فرحمه الله، وجزاه عنا خير ما جزى عبداً صالحاً عن أمته.”