غدير العهد والا متداد الرسالي

غدير العهد والامتداد الرسالي

بسمه طه الحيفي

​يوم إكمال الدين وإتمام النعمة
​اليوم الثامن عشر من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة يوم غير عادى في تقويم التاريخ الإسلامي، بل هو محطة مفصلية رسمت ملامح المستقبل للأمة الإسلامية في “غدير خم”، ذلك الموضع الذي يلتقي فيه الحجيج ليتفرقوا إلى بلدانهم، وقف الرسول الأكرم محمد صل الله عليه وآله وسلم ليبلغ الأمة أمرًا إلهيًا حاسمًا، ارتبط بوجود العقيدة واستمراريتها، حيث نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.

​هذا النداء الرباني لم يكن ليأتي بهذا الحزم إلا لأن المسألة تتجاوز الأحكام العبادية اليومية؛ إنها مسألة القيادة، والامتداد، والمرجعية الفكرية والسياسية للأمة بعد رحيل النبي

​المشهد التاريخي: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”

​تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي أجواء لاهبة، أمر النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم بجمع الآلاف من الحجاج، وصنعوا له منبرًا من أقتاب الإبل. رقى النبي المنبر، وأخذ بيد ابن عمه، وصهره، ووصيه، الامام علي بن أبي طالب -عليه السلام-، ورفعها حتى بان بياض إبطيهما، وقال كلمته المدوية التي حفظها التاريخ وتواترت بها الروايات: ​”ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: مَن كُنتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ، وعادِ مَنْ عاداهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ”

​وبعد هذا الإعلان التاريخي، نزلت الآية الختامية التي أعلنت رضا الله عن هذا المسار: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

​الأبعاد الجوهرية لولاية أمير المؤمنين

​إن التمسك بولاية الإمام علي -عليه السلام- ليس مجرد عاطفة مجردة أو انحياز تاريخي، بل هو التزام بمنظومة قيمية متكاملة لخصتها سيرة “أبا الحسن”:العدالة المطلقة
​كانت ولاية الامام علي -عليه السلام- تجسيدًا حيًا للعدالة الإلهية على الأرض. فلم يفرّق في العطاء بين شريف ووضيع، ولا بين عربي وأعجمي. قال كلمته الشهيرة: “والله لو وجدته قد تُزوّج به النساء ومُلِك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة”

​ المرجعية العلمية والفكرية
​أراد النبي من الغدير أن يربط الأمة بـ مدينة علمه” فالامام عليٌّ عليه السلام هو الذي قال: “سلوني قبل أن تفقدوني”، وهو الذي حفظ روح القرآن وأحكامه، وكان الحصن الفكري الذي يحمي الأمة من الانحراف والتشويه الإنسانية الشاملة
​تتجلى ولاية أمير المؤمنين في عهده لمالك الأشتر، والتي تعد وثيقة حقوقية عالمية، حين قال له: “وأشعر قلبك الرحمة للرعية… فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق” هذه هي الولاية التي نبحث عنها ولاية تحمي الإنسان كإنسان.

​تجديد العهد: ولاية بلا ريب ولا تقصير

​الاحتفاء بيوم الغدير ليس مجرد ذكريات تُروى، بل هو محطة سنوية للمراجعة وتجديد الولاء الشامل:

​الولاية بلا ريب (اليقين): تعني الإيمان الراسخ بأن منهج علي -عليه السلام- هو المنهج الحقيقي الذي يحفظ للإسلام نقاءه، والوعي البصير بضرورة الاقتداء به في السراء والضراء.

​الولاية بلا تقصير (العمل): لا يمكن أن نكون موالين لعليٍّ ونحن نبتعد عن صدقه، وأمانته، وزهده، ونصرته للمظلومين. الولاية الحقة هي “طاعة واستقامة”، وتطبيق لنهج البلاغة في واقعنا السلوكي، والاجتماعي، والسياسي

​ الغدير أمل الأمة المستمر

​يبقى يوم الغدير يمثل “غدير الأمل” لأمة تبحث عن الخلاص، وعن القائد الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً إن التمسك بحبل ولاية أمير المؤمنين -عليه السلام- وبنيه طاهرين هو الضمانة الحقيقية لعدم التفرق والضياع.
​نسأل الله تعالى، في هذه المناسبة المباركة، أن يثبت قلوبنا على هذا النهج القويم، وأن يرزقنا البصيرة التي نرى بها الحق حقًا فنتبعه، وأن يجعلنا من خيار شيعة ومحبي أمير المؤمنين، المبرأين من الريب، والناجين من التقصير.
​كل عام وأنتم بخير، وأنوار الغدير تشرق في قلوبكم وبيوتكم

#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة