رمضان على الشاشة: حين تصبح (التفاهة) بطلاً للمشهد

​بقلم: الأستاذ حسين شكران العقيلي
​في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الشاشة الرمضانية مرآةً تعكس قيم المجتمع وتطلعاته، ومحطةً للارتقاء بالوعي الإنساني والجمالي، نجد أنفسنا أمام موجة عاتية من (التسطيح المتعمد) الذي بات يغزو بيوتنا بلا استئذان. إن ما نشهده في السنوات الأخيرة من إنتاجات درامية رمضانية يدعو للتأمل والقلق في آن واحد؛ حيث انزاحت الرسالة الهادفة والهدف السامي لصالح صخب فارغ، وباتت (التفاهة) هي البطل الحقيقي الذي يتصدر المشهد، وسط غياب شبه تام للمحتوى الذي يخدم المجتمع أو يعالج قضاياه بجوهرية وعمق.
​إن المتأمل في خارطة المسلسلات المعروضة يلحظ تحولاً خطيراً في بوصلة الإنتاج؛ فبدلاً من استثمار قدسية الشهر الفضيل لتقديم أعمال توعوية أو تاريخية أو حتى اجتماعية تعالج النفس البشرية، نجد إصراراً غريباً على حشر المشاهد في زوايا ضيقة قوامها السباب والشتم، ودوامة لا تنتهي من مشاهد الرقص والبلطجة التي لا سياق درامي لها سوى إثارة الغرائز وجلب (الترند) . لقد تحول الفن من كونه (رسالة إصلاحية) إلى مجرد أداة للتجارة الرخيصة بالعقول، حيث يُقاس النجاح بنسبة الضجيج لا بنسبة الوعي، وبحجم الجدل حول (سقطات اللسان) لا بجمال المعنى وعمق الطرح.
​هذا الانحدار في المحتوى ليس مجرد كبوة فنية عابرة، بل هو مؤشر على إفلاس قيمي يهدد الأجيال الناشئة؛ فحين يخلو المسلسل من هدف واضح أو رسالة تربوية، ويستبدلها بلغة سوقية هابطة، فإنه يساهم بشكل مباشر في (تطبيع القبح) وجعله جزءاً مقبولاً من اليوميات. إننا أمام مسلسلات تبدأ وتنتهي دون أن تترك في نفس المشاهد فكرةً بنّاءة أو حلماً بالتغيير، بل تتركه محاصراً بصور العنف اللفظي والجسدي، وكأن المجتمع قد خلا من القدوات والمبدعين والمفكرين، ولم يعد فيه سوى نماذج الانحلال والابتذال.
​إن صناعة التفاهة على الشاشة تعكس استسهالاً خطيراً من قبل القائمين على العملية الإنتاجية، الذين يظنون أن الجمهور ينشد التسلية الرخيصة فقط، وهي مغالطة كبرى تستهين بعقل الإنسان العربي. فالمجتمع اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى فن يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، فن يحترم حرمة البيوت وقدسية الشهر، ويقدم محتوىً يليق بتاريخنا وثقافتنا. إن غياب (البعد القيم) في الدراما يجعلها جسداً بلا روح، ومهما بلغت جودة الإخراج أو ضخامة الإنتاج، فإن العمل الذي لا يحمل رسالة تفيد المجتمع يبقى عملاً ميتاً بامتياز، يتبخر مع آخر حلقة، مخلفاً وراءه أثراً سلبياً في السلوك والذوق العام.
​ختاماً، إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع؛ من كتاب ومنتجين ومؤسسات رقابية، لانتشال الشاشة من وحل الابتذال. يجب أن ندرك أن الدراما هي “قوة ناعمة” قادرة على بناء الأمم أو تقويض أركانها، والسكوت عن تحويل شهر رمضان إلى موسم لعرض التفاهة هو تفريط بمستقبلنا الثقافي. إننا بحاجة إلى عودة (الفن المقاوم) للقبح، الفن الذي يعيد الاعتبار للكلمة الطيبة والرسالة الهادفة، ليظل رمضان محطة للتزكية الروحية والفكرية، لا ساحة لاستعراض الهبوط الأخلاقي والضياع الفني.