ورثة الطوارئ وزمن التفكير
كتب رياض الفرطوسي
هناك شعوب ترث الأرض، وأخرى ترث الذاكرة، لكننا ورثنا حالة طوارئ طويلة حتى صارت جزءاً من تكويننا النفسي. لم تعد الطوارئ حدثاً استثنائياً بل مزاجاً دائماً، ولم يعد الخطر واقعة محددة بل شعوراً مزمناً. عاش أجدادنا على إيقاع المفاجآت، فانقلب ذلك الإيقاع إلى عادة عقلية انتقلت إلينا، حتى بدا وكأننا نحمل داخلنا جهاز إنذار لا يتوقف عن العمل، سواء كان هناك خطر حقيقي أم لا.
في المجتمعات المستقرة يتعلم الإنسان الانتظار، أما في المجتمعات المضطربة فيتعلم الاستجابة. الأول يفكر قبل أن يحكم، والثاني يحكم قبل أن يفكر. هذه ليست مسألة ذكاء أو غباء، بل مسألة شروط حياة. وقد لاحظ المؤرخ أرنولد توينبي أن الحضارات التي تتعرض لضغط متواصل تميل إلى إنتاج ردود أفعال سريعة أكثر مما تنتج رؤى بعيدة المدى، لأن البقاء العاجل يطغى على التفكير الطويل.
لهذا نشأ نوع من الذكاء اللحظي، ذكاء يلتقط الإشارة قبل أن تكتمل الصورة. صاحبه سريع البديهة، حاضر الجواب، لكنه قليل الصبر على التفاصيل. التردد في نظره خطر، والانتظار مغامرة غير مأمونة. ومع مرور الزمن لم تعد هذه الصفات مجرد وسائل دفاع، بل تحولت إلى أسلوب تفكير كامل. صار الحسم الفوري فضيلة، وصار الشك ترفاً لا يملكه إلا من يعيش في أمان.
اللافت أن هذا النمط لا يتبدد بتبدل المكان. كثيرون غادروا بلاد الخطر إلى بلاد القانون والنظام، لكنهم اكتشفوا أن المسافة الجغرافية أقصر من المسافة النفسية. تغيرت المدن واللغات والوظائف، أما الإيقاع الداخلي فبقي كما هو. يعيش المرء في شارع هادئ لكنه ينصت دائماً إلى صوت بعيد لا يسمعه سواه. الأمن الخارجي لا يكفي أحياناً لطمأنة ذاكرة تربت على القلق.
وقد وصف عالم الاجتماع بيير بورديو هذه الظاهرة بما سماه “الهابيتوس”، أي ذلك المخزون العميق من العادات والتصورات الذي يتشكل عبر السنين ويستمر في العمل حتى بعد تغير الظروف. الإنسان لا يترك ماضيه خلفه بسهولة، بل يحمله معه كظل طويل يرافقه في كل مكان. ولهذا تعيد الجماعات المهاجرة بناء بيئاتها القديمة بصورة أو بأخرى، كأنها تحاول حماية نفسها داخل عالم مألوف ولو كان مصغراً.
في النزاعات الصغيرة يظهر هذا الإرث بوضوح. يكفي خلاف بسيط حتى تتشكل الاصطفافات بسرعة مذهلة. لا أحد ينتظر الوقائع كاملة، ولا أحد يحب المنطقة الرمادية. الانتماء يسبق الحقيقة، والتضامن يسبق الحكم. كأن الإنسان يخشى أن يتأخر عن المعركة فيخسر موقعه بين الآخرين.
والغريب أن النجاح المهني لا يغير الكثير من هذه الطبقات العميقة. قد يعمل المرء في مؤسسة حديثة أو مختبر متطور، لكنه يحتفظ بطريقة تفكير قديمة في حياته اليومية. التكنولوجيا تصبح مجرد وسيلة أسرع لنقل الأفكار نفسها. جهاز حديث يحمل وعياً قديماً، ولغة رقمية تنقل مخاوف بدائية. وكما يقول عالم الاجتماع زيغمونت باومان فإن الإنسان المعاصر يعيش في عالم سريع التغير، لكن مخاوفه القديمة تظل راسخة في داخله، كأن الزمن تغير حوله ولم يتغير فيه.
تظهر هذه المفارقة في النقاشات العامة أكثر من أي مكان آخر. موضوع صغير يمكن أن يتحول فجأة إلى معركة رمزية. جلسة تناقش شؤوناً يومية بسيطة تنقلب أحياناً إلى ساحة استعراض للغضب واليقين. لا يبقى الحوار في حدوده، بل يقفز إلى قضايا كبرى، وكأن النقاش فرصة لتفريغ توتر قديم لا علاقة له بالموضوع المطروح.
اللغة نفسها تكشف عن طبيعة التفكير. الاتهام أسرع من التحليل، والحكم أسهل من الفهم. النقد يحتاج مسافة وتأملاً، أما الشتيمة فتولد في لحظة. لذلك يسود الخطاب الحاد حيث تغيب السخرية الدقيقة والملاحظة الهادئة. السخرية تحتاج خيالاً وثقة بالنفس، أما الغضب فيحتاج فقط إلى ذاكرة مثقلة بالجروح.
التعليم لم يساعد كثيراً على كسر هذه الحلقة. المعرفة قدمت غالباً بوصفها حقائق نهائية لا مجال لمراجعتها. الطالب يتعلم الإجابة قبل أن يتعلم السؤال، ويتعلم اليقين قبل أن يتعلم الشك. ومع الزمن يصبح التفكير نفسه مهمة مرهقة، ويصبح الرأي الجاهز راحة نفسية لا تعوض.
وقد حذرت الفيلسوفة حنة أرندت من أن أخطر أشكال العجز الفكري هو التوقف عن التفكير، حين يتحول الإنسان إلى مكرر للعبارات الجاهزة وهو يعتقد أنه يمارس دوره العقلي كاملاً. عندها لا يعود الخطأ هو المشكلة، بل غياب التفكير نفسه.
وسائل الاتصال الحديثة عمقت المفارقة. كانت المعرفة في زمن مضى تحتاج عزلة وصبراً ووقتاً طويلاً، أما اليوم فهي تصل جاهزة بضغطة زر. لم يعد الجهد في البحث بل في الاختيار بين تفسيرات جاهزة. الإنسان الحديث لا يخاف الجهل بقدر ما يخاف الفراغ، ولذلك يقبل بأي تفسير سريع يملأ رأسه ويمنحه شعوراً زائفاً باليقين.
في المجالس اليومية يظهر هذا اليقين بثقة لا تتزعزع. لكل موضوع خبير فوري، ولكل قضية تفسير نهائي. النقاش يبدأ حاداً وينتهي بلا نتيجة، لكنه يتكرر في اليوم التالي كأن شيئاً لم يكن. كأن الهدف ليس الوصول إلى معرفة، بل تجنب الصمت الذي قد يفتح باب التفكير.
الأصعب من مواجهة الجهل هو مواجهة وهم المعرفة. الجاهل قد يتعلم، أما الذي يعتقد أنه يعرف فلا يرى سبباً للتعلم. وهكذا يتحول النقاش إلى استعراض يقين لا إلى بحث عن حقيقة.
ورثة الطوارئ لا يخافون الخطر وحده، بل يخافون الفراغ أيضاً. الفراغ يعني التفكير، والتفكير يعني الشك، والشك يعني فقدان الأرض الصلبة التي يقفون عليها. لذلك تبدو الإجابة السريعة أكثر طمأنينة من الحقيقة المعقدة، ويبدو اليقين الموروث أكثر أماناً من السؤال الجديد.
التحرر من هذا الإرث لا يبدأ بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا حتى بالتعليم وحده، بل يبدأ من لحظة صغيرة يجرؤ فيها الإنسان على التمهل. لحظة يكتشف فيها أن العالم لا ينهار إذا تأخر الحكم قليلاً، وأن الحقيقة لا تهرب إذا انتظرناها.
عند تلك اللحظة فقط يتوقف صوت الإنذار قليلاً، ويبدأ الورثة بالخروج من زمن الطوارئ إلى زمن التفكير.