ملفات ” جيفري أبيستين ” لإعادة رسم الشرق الأوسط – من أنقاض سايكس-بيكو إلى ولادة خارطة جديدة برعاية النظرية التلمودية؟

صباح البغدادي

(*)ترامب نتنياهو يرسمون خارطة جديدة لشرق أوسط جديد ، ولكن النجاح يعتمد على التوازن بين الجرأة والحكمة.

(*) إذا كنت تعتقد بأن ملفات جيفري أبيستين التي لم يفرج عنها لغاية الآن لخطورتها لأنها سوف تسبب بسقوط أنظمة ودول كان ينظر إليها يوم أمس بانها الحصن الحصين للديمقراطية وحرية الرأي والتعبير فانك واهم ؟ لن نسمح بعد اليوم أن نكون مجرد قطعان ونتقبل السردية الحكومية الكاذبة ؟ بدون أن لا يكون هناك أي رأي أو حرية تعبير بما نؤمن به حتى ولو كره الكافرون ؟.

بين جسّ النبض وإعادة تشكيل النفوذ: قراءة في الاتصالات الأميركية مع القيادات الكردية

في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لا يمكن النظر إلى أي اتصال سياسي رفيع بوصفه خطوة بروتوكولية عابرة، خصوصًا عندما يصدر عن شخصية مثل Donald Trump ويتجه نحو قيادات كردية وازنة مثل مسعود بارزاني وبافل طالباني. فالسياق هنا لا تحكمه المجاملات السياسية، بل حسابات القوة وإعادة التموضع في فضاء شرق أوسطي يعاد تشكيله تحت ضغط الأزمات المتراكمة والصراعات المفتوحة.

الفرضية التي تطرح أن هذه الاتصالات قد تكون جسّ نبض حقيقي لمدى استعداد القيادات الكردية للدخول في رؤية أميركية أوسع ليست بعيدة عن منطق الاستراتيجية. واشنطن، حين تتواصل مباشرة مع فاعلين دون مستوى الدولة، فإنها غالبًا ما تختبر ثلاثة عناصر: درجة التماسك الداخلي، وسقف الطموح السياسي، والقدرة على تحمّل كلفة التحرك في بيئة إقليمية معقدة. السؤال الذي قد يكون طُرح بصيغة غير معلنة هو: إذا فُتحت نافذة جيوسياسية نادرة، هل أنتم مستعدون لعب دور يتجاوز الحسابات التقليدية؟

غير أن أي قراءة جادة لا يمكن أن تتجاهل أن الورقة الكردية تاريخيًا كانت دائمًا أداة ضغط أكثر منها مشروعًا مكتمل الأركان لإعادة رسم الحدود. الحديث عن “إصلاح أخطاء سايكس–بيكو” أو ولادة شرق أوسط جديد قد يبدو جذابًا من حيث الرمزية، لكنه يصطدم بوقائع صلبة، أبرزها أن إعادة رسم الخرائط لا تتم بقرار أحادي، بل بتقاطع انهيارات داخلية وتوافقات دولية وتفاهمات إقليمية معقدة. حتى في حال وجود رغبة أميركية بإعادة هندسة موازين النفوذ داخل إيران عبر تحريك العامل القومي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تبنّي مشروع دولة كردية مستقلة بحدود واضحة واعتراف دولي شامل.

العقدة المركزية في هذا المشهد تبقى تركيا، التي ترى في أي كيان كردي مستقل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. ومن دون تفاهم عميق مع أنقرة، يصعب تصور انتقال واشنطن من مرحلة الضغط السياسي إلى مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي فعلي. لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في إعلان دولة جديدة، بل في إعادة توزيع النفوذ داخل خرائط قائمة، عبر توسيع هوامش الحكم الذاتي أو خلق توازنات داخلية تضغط على المركز دون إسقاطه بالكامل.

أما بالنسبة للقيادات الكردية نفسها، فإن الحيرة المفترضة ليست ضعفًا بقدر ما هي انعكاس لذاكرة سياسية مثقلة بالتجارب. التحالفات الدولية، مهما بدت مغرية، تخضع دائمًا لتبدّل المصالح. ومن ثم فإن أي انخراط عميق في مشروع كبير يتطلب ضمانات تتجاوز الوعود السياسية إلى ترتيبات أمنية واقتصادية طويلة الأمد. فالخطر لا يكمن فقط في رد فعل طهران، بل أيضًا في احتمال تغيّر المزاج الدولي أو حدوث مقايضات كبرى تعيد ترتيب الأولويات.

ولكن تبقى العقدة التركية وهي المفتاح الحقيقي لان تركيا تعتبر أي مشروع دولة كردية مستقلة تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي ولذلك أمامنا ثلاثة احتمالات بلا رابع لهمها : أما تقوم واشنطن وتتحرك بدون تنسيق مع أنقرة وهذا يعني صدامًا مباشرًا مع تركيا أو يكون هناك تفاهم أميركي–تركي سري مقابل دعم اقتصادي وسياسي لها وبالأخص شراء احدث ما توصلت له التكنولوجيا الأمريكية ومنها طائرات الشبح وهنا يصبح المشروع ليس “دولة مستقلة”، بل حكم ذاتي موسع تحت أشراف تركي مباشر وصلاحيات مطلقة والغرض منه وإعادة هندسة نفوذ داخل إيران أو استخدام الورقة الكردية للضغط فقط دون إعلان كيان رسمي

وهناك السيناريو أكثر واقعية. ومجرد ضغط تكتيكي والاتصال يهدف لابتزاز طهران أو أنقرة سياسيًا، دون نية فعلية لتغيير الخرائط.وتبقى حيرة القيادة الكردية — حقيقية أم محسوبة؟ لان القيادات الكردية تاريخيًا تتعامل بحذر شديد مع الوعود الدولية، بسبب تجارب مؤلمة سابقة ومنها :

1975 اتفاق الجزائر

1991 بعد حرب الخليج

2017 استفتاء الاستقلال

لذلك السؤال لديهم ليس: “هل ندخل مع ترامب؟”بل:“هل سيدفع الثمن معنا إذا تغيرت الظروف؟”

وما نراه أقرب إلى: إعادة توزيع نفوذ وهندسة جديدة لمناطق حكم ذاتي وتفكيك تدريجي لمركزيات الدولة
دون إعلان تقسيم رسمي ولكن السيناريو الاستباقي الأخطر إذا اجتمعت هذه العوامل: ضعف داخلي في إيران ودعم أميركي غير معلن وتفاهم تركي ضمني وانقسام داخل طهران ففي حينها قد نشهد: ليس “دولة كردية داخل أيران معلنة ” بل كيانًا شبه مستقل كما يحدث في العراق ويتحرك كدولة وهو أمر واقع وهنا يبدأ “المخاض الإقليمي” الذي تحدثت عنه.

في المحصلة، ما نشهده قد لا يكون “مخاض ولادة قيصرية” لخارطة شرق أوسط جديدة بقدر ما هو مرحلة إعادة اختبار للأوزان والأدوار. الولايات المتحدة قد تستخدم الورقة الكردية كرافعة ضغط استراتيجية ضمن صراع أوسع، فيما تحاول القيادات الكردية قياس المسافة بين الطموح والواقعية، وبين الفرصة التاريخية والمغامرة غير المحسوبة. الشرق الأوسط لا يُعاد رسمه بضربة واحدة، بل عبر تراكم تصدعات تدريجية. وإذا كانت هناك عملية إعادة تشكيل جارية فعلًا، فهي حتى الآن تجري تحت سقف إعادة توزيع النفوذ لا تحت عنوان تقسيم معلن للخرائط.

ونحن نشاهد اليوم من على شاشات التلفزة المخاض الأليم والعسير لعملية قيصرية لولادة الشرق الأوسط الجديد ؟ تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة – خاصة في مارس 2026 – واتصالاته الهاتفية يوم أمس (1 مارس 2026) مع مسعود برزاني (زعيم حزب الديمقراطي الكردستاني) وبافل طالباني (زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني)، مش مجرد دبلوماسية عابرة… إشارات حادة لتحول جيوسياسي كبير. بعد مقتل خامنئي وتصعيد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، اللي خلقت فراغًا هائلًا، ترامب بيرسم مسارًا يشبه “الولادة القيصرية” إعادة صياغة الشرق الأوسط، تصحيح أخطاء اتفاق سايكس-بيكو (1916) اللي قسمت المنطقة بشكل مصطنع، وإنشاء خارطة قومية وإثنية جديدة مبنية على تحالفات أمنية واقتصادية. ليست مجرد نظرية، هو واقع بيتحقق خطوة بخطوة، مع مخاطر وفرص تغير المنطقة لعقود. سوف نحللها استراتيجيًا، مع نظرة استباقية لنرى ويرى الآخرين معنا الفرصة قبل الجميع.

ترامب، في تصريحاته أكد إن هدفه الرئيسي هو منع إيران من امتلاك صواريخ بعيدة المدى أو أسلحة نووية، و يشمل “إسقاط النظام” ككل. الاتصال ببرزاني وطالباني ليس صدفة لان الكرد في العراق لهم روابط قوية مع الكرد الإيرانيين (حوالي 8-10 ملايين كرد في إيران)، والحديث دار عن “ما سيأتي بعد” الحرب، بما في ذلك دعم الكرد لإثارة انتفاضات داخل إيران. الـCIA بتدرس تسليح الكرد الإيرانيين ( حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني – KDPI) لإشعال ثورة، وترامب مفتوح لدعم مليشيات معارضة لإسقاط الآية الله.

ربط بسايكس-بيكو: الاتفاق الاستعماري خلق دول مصطنعة (عراق، سوريا، لبنان) تجاهلت التقسيمات الإثنية والقومية، مما أدى لصراعات مستمرة. اليوم، مع سقوط “المحور الإيراني”، ترامب – بدعم من نتنياهو اللي لوبى لشهور – بيفتح الباب لإعادة رسم الخريطة. وعن “إعادة التفكير في الحدود”، مثل إنشاء كيانات كردية مستقلة أو توسيع اتفاقات إبراهيم لتشمل دول جديدة. واشتد الصراع على التواصل الاجتماعي”توقعات حرب أرضية” من كردستان العراق، ورفض كردستان الانضمام الكامل للحرب للحفاظ على الحياد، لكن مع “فرصة كبيرة” للتغيير.

المخاض الأليم: على الشاشات – غارات على طهران، هجمات إيرانية على قواعد كردية في العراق، وتوترات داخلية – بالفعل “ولادة قيصرية” لشرق أوسط جديد. إيران بتهاجم معارضيها الكرد في شمال العراق، خوفًا من انضمامهم للتحالف الأمريكي. سقوط النظام الإيراني هيفتح الباب لإعادة رسم الحدود بشكل يعكس الواقع الإثني – مثل استقلال كردستاني (في إيران والعراق)، أو تقسيم إيران إلى كيانات قومية (كرد، بلوخ، عرب أهواز). ده يصحح أخطاء سايكس-بيكو، ويبني دول أكثر استقرارًا. ترامب بيبني على اتفاقات إبراهيم (2020) لتوسيعها، مما يخلق “شرق أوسط اقتصادي” موحد ضد الإرهاب ولتحالف الأمريكي-إسرائيلي-كردي هيضعف روسيا والصين في المنطقة، ويفتح أبواب لسلام شامل، زي اللي نتنياهو وصفها بـ”بوابة السلام” بعد سقوط إيران

دعوة ترامب لمشاركة القوى الكردية وإمكانية دعمهم عسكريًا أو استخباراتيًا ـ حتى لو بشكل غير معلن ـ تشير إلى أن الإدارة الأميركية تنظر إلى القوى القومية/العِرقية داخل إيران كركائز يمكن أن تُستخدم لتحريك المشهد الداخلي لصالح أهداف استراتيجية.

لو تحقّق هذا الدعم (سواء عبر تدريب، أسلحة، أو مساندة استخباراتية)، فقد يؤدي إلى:

  • إضعاف السيطرة المركزية للنظام الإيراني على أقاليمه الغربية؛
  • زيادة الضغط الداخلي على طهران في أكثر من جبهة عرقية؛
  • خلق مزيد من نقاط الضعف الاستراتيجية للنظام؛ مما يقوّض قدرته على المواجهة في الحرب الحالية

إعادة احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة عبر تحريك قوى محلية وكل ذلك دون الاعتماد الكامل على تدخلات برية أميركية تقليدية. هذا يشبه إلى حد كبير فكرة اللعب على تناقضات داخل الأنظمة الديكتاتورية من أجل إعادة ترتيب المشهد السياسي بدلاً من صراع تقليدي مفتوح.

خلاصة التحليل والاتصالات الأميركية مع الأكراد ليست عشوائية؛ هي جزء من استراتيجية تتعامل مع الواقع الإيراني الراهن؛ تُظهر ميلًا إلى استخدام القوى المحلية لإحداث تحول جيوسياسي؛ وربما هي مؤشر مبكر على محاولة إعادة ترتيب خارطة النفوذ في الشرق الأوسط بما يتجاوز الخرائط التاريخية القديمة. لكن ما يزال من المبكر الحكم على أن هناك “خارطة نهائية قيد التنفيذ”. ما نراه هو مرحلة انتقالية مركّبة قد تتطور إلى إعادة ترتيب أوسع إذا توافرت عوامل داخلية وخارجية مواتية