خالد الغريباوي
حينما اندلعت المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران فإن الأمر لا يتعلق بصراع تقليدي بين دولتين بل بلحظة تاريخية قد تعيد تعريف بنية القوة في النظام الدولي فالحروب الكبرى في التاريخ لم تكن مجرد معارك عسكرية بل نقاط انعطاف استراتيجية أعادت صياغة الخرائط السياسية والاقتصادية كما حدث بعد الحربين العالميتين وكما يوضح كثير من منظري العلاقات الدولية فإن الصراع بين القوى الكبرى غالبا ما يكون بوابة لانتقال النظام الدولي من شكل إلى آخر
في هذا السياق يمكن فهم الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها اختبارا لمعادلة الهيمنة الأمريكية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة حيث أصبحت واشنطن القوة المهيمنة على النظام الدولي وفق ما يسميه منظرو السياسة الدولية لحظة القطب الواحد وهي اللحظة التي استندت إلى التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي الأمريكي وإلى شبكة واسعة من التحالفات تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا، هناك في هذه الحرب سيناريوهان هما :
السيناريو الأول يتمثل في انتصار أمريكي واضح وهو السيناريو الذي يتسق مع رؤية المدرسة الواقعية الهجومية التي ترى أن القوى العظمى تسعى دائما إلى تحطيم مراكز التحدي المحتملة وإذا تحقق هذا السيناريو فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي عميق فإضعاف إيران أو إسقاط نظامها سيعني إزالة أحد أهم مراكز الممانعة الإقليمية وبذلك تصبح المنطقة مفتوحة أمام هندسة سياسية جديدة تقودها واشنطن ويكون المستفيد الاستراتيجي الأول فيها هو إسرائيل وسيطرتها التامة على دول المنطقة.
في هذه الحالة قد نشهد تحولات كبيرة في بنية التحالفات الإقليمية وربما إعادة ترتيب ملفات الصراع في المنطقة على نحو يجعل إسرائيل القوة المركزية التي تدور حولها معادلات الأمن الإقليمي فالتاريخ السياسي يبين أن القوة المنتصرة في الحروب الكبرى غالبا ما تفرض نظاما إقليميا جديدا يشبه ما حدث بعد حرب الخليج أو بعد اتفاقيات كامب ديفيد حيث أعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط على أساس القوة الأمريكية
أما السيناريو الثاني فهو أكثر تعقيدا وأشد تأثيرا على النظام الدولي وهو أن تصمد إيران في الحرب وأن تفشل الولايات المتحدة في تحقيق نصر سريع أو حاسم وربما يترافق ذلك مع مفاجآت استراتيجية تغير مسار الصراع مثل استهداف رمز عسكري أمريكي كبير كحاملة طائرات أو ضربة نوعية تصيب هدفا معنويا يترك أثرا نفسيا داخل الولايات المتحدة فالتاريخ العسكري مليء بلحظات كهذه حيث يمكن لحدث واحد أن يقلب ميزان الحرب كما حدث في حرب فيتنام حين تحولت الكلفة السياسية إلى عبء استراتيجي على واشنطن
إذا وصل الصراع إلى هذه المرحلة فقد تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام خيار وقف الحرب أو البحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه ، وفي حال خرجت إيران من المواجهة دون انهيار نظامها فإن ذلك لن يكون مجرد حدث إقليمي بل لحظة كاشفة لحدود القوة الأمريكية وهو ما قد يفتح الباب لتحولات عميقة في بنية النظام العالمي
هنا يظهر ما تحدث عنه بعض مفكري العلاقات الدولية حول لحظات التآكل التدريجي للهيمنة فالقوة العظمى لا تفقد موقعها عادة بهزيمة واحدة بل بسلسلة من الصدمات الاستراتيجية التي تكشف حدود قدرتها على فرض إرادتها وإذا حدث ذلك فإن القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا ستجد مساحة أوسع لإعادة توزيع موازين القوة الدولية وهو ما قد يقود إلى نهاية مرحلة الأحادية القطبية وبداية تشكل نظام دولي متعدد الأقطاب
إن ما يجعل هذه الحرب خطيرة ليس فقط ما قد يحدث داخل الشرق الأوسط بل ما يمكن أن تطلقه من ديناميكيات عالمية فالصراعات الكبرى كثيرا ما تبدأ محلية ثم تتحول إلى لحظات تأسيسية في التاريخ الدولي ومن هنا فإن المواجهة بين واشنطن وطهران إن وقعت بالفعل لن تكون مجرد حرب على النفوذ بل اختبارا لمستقبل النظام العالمي نفسه إما أن تكرس الهيمنة الأمريكية لعقود أخرى أو أن تفتح الباب أمام عصر جديد تتعدد فيه مراكز القوة ويتغير فيه ميزان السياسة الدولية تغيرا جذريا
وهكذا تقف المنطقة والعالم أمام مفترق تاريخي فنتيجة هذه المواجهة لن تحدد مصير إيران أو الولايات المتحدة وحدهما بل قد تحدد شكل العالم الذي سيولد بعد هذه الحرب عالم تهيمن عليه قوة واحدة أو عالم جديد تتوزع فيه السلطة بين عدة قوى كبرى وهو السؤال الذي سيظل مفتوحا حتى تتضح نهاية هذا الصراع.