جديد

اليقين بالظهور(( الأثر النفسي والتربوي لانتظار الفرج))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
​لا يمثل انتظار الفرج في الوجدان الإسلامي مجرد ترقب لحدث زمني آتٍ، بل هو حالة من (الديناميكية الروحية) التي تعيد صياغة الذات الإنسانية من الداخل. إن اليقين بظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ليس فكرة ميتافيزيقية معزولة عن الواقع، بل هو (محرك وجودي) يمنح المؤمن القدرة على التوازن في عالم تتقاذفه أمواج الفتن والاضطرابات. وحين نتأمل في الأثر النفسي لهذا اليقين، نجد أنه يعمل كآلية (حصانة نفسية) أصيلة؛ فبينما ينهار الكثيرون أمام الأزمات الوجودية الكبرى، يظل المؤمن المنتظر ممتلكاً لبوصلة واضحة، إذ لا يرى في ظلام الواقع نهاية الطريق، بل يراه مخاضاً حتمياً لولادة فجر العدالة الإلهية، مما يحول الانتظار من حالة انفعالية إلى قوة دفع استراتيجية ضد اليأس والقنوط.
​إن هذا اليقين ينسحب بالضرورة على البناء التربوي للشخصية، حيث يتجاوز مفهوم الانتظار حدوده التقليدية ليصبح (منهج حياة) قائماً على الاستعداد الدائم. تربوياً، يفرض هذا المعتقد نمطاً من الرقابة الذاتية الصارمة؛ إذ يدرك الممهد الحقيقي أن زمن الغيبة ليس زمناً للغياب الروحي، بل هو زمن (الحضور الرقابي) الذي يوجب تمثل أخلاق صاحب الزمان في السلوك اليومي. هنا تتحول الأخلاق من مجرد تنظير إلى ممارسة حية، ويصبح تهذيب النفس وسيلة عملية للتقرب من المشروع الإلهي الخاتم، فالمؤمن يربي نفسه على (الجاهزية المستمرة) ، متدرباً على ضبط انفعالاته وتوجيه إرادته نحو الحق بوعي وبصيرة.
​من الناحية التحليلية، نجد أن (سيكولوجية الأمل) المرتبطة بالظهور تخلق نوعاً من الربط الوثيق بين الفرد والمجتمع؛ فالممهد لا يعيش عزلة روحية، بل يشعر بمسؤولية تجاه (الأمة) التي ينتظر معها الخلاص الشامل. هذا الشعور بالمسؤولية ينمي روح المبادرة والعمل الجماعي، ويحول الانتظار من (قعود) إلى (إصلاح) مؤكداً أن القوة الحقيقية تكمن في (ثبات الموقف) وسط المتغيرات. إننا أمام رؤية تربوية تعيد تعريف الانتصار؛ فهو يبدأ بانتصار الإنسان على أهوائه وضعفه النفسي، ليكون مؤهلاً للمشاركة في صناعة التاريخ.
​ختاماً، يظل اليقين بالظهور هو الترياق الذي يحمي الهوية من الذوبان، والوقود الذي يشعل في القلوب جذوة التغيير. إن التمهيد الحقيقي هو في جوهره (صناعة للإنسان) قبل أن يكون صناعة للظروف؛ فمن أصلح باطنه باليقين، هيأه الله ليكون جزءاً من النور العالمي الموعود، ملتقياً في ذلك العقل بالقلب، لتتشكل شخصية مؤمنة، متزنة، ومستعدة لخوض غمار التمهيد بكل ثبات.
@إشارة