د. فاضل حسن شريف
وردت كلمة بوأ ومشتقاتها في القرآن الكريم: وَبَاءُو فَبَاءُوا تُبَوِّئُ بَاءَ تَبُوءَ وَبَوَّأَكُمْ تَبَوَّآ بَوَّأْنَا مُبَوَّأَ يَتَبَوَّأُ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ نَتَبَوَّأُ تَبَوَّءُو. جاء في الموسوعة الحرة عن الاشتقاق في اللغة: مصدر (اشتق الشيء) إذا أخذ شقه، وهو نصفه. ومن المجاز (اشتق في الكلام) إذا أخذ فيه يمينا وشمالا وترك القصد. ومنه سمي أخذ الكلمة من الكلمة اشتقاقا. والاشتقاق في الاصطلاح: أخذ كلمة من أخرى أو أكثر، مع تناسب المأخوذة والمأخوذ منها في اللفظ والمعنى. تقسيم: الاشتقاق في العربية أربعة أقسام: الصغير، والكبير، والأكبر، والكُبَّار (بضم الكاف وتشديد الباء). الصغير: الاشتقاق الصغير أخذ كلمة من أخرى بتغيير في الصيغة مع تناسبهما في المعنى واتفاقهما في حروف المادة الأصلية وترتيبها. ومنه اشتقاق صيغ الأفعال مجردها ومزيدها، واشتقاق المشتقات السبعة المشهورة مجردها ومزيدها وهي: اسم الفاعل، والصفة المشبهة، واسم المفعول، واسم التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة، واشتقاق غير هذه الأسماء المشتقة. مثل: ضرب، أضرب، ضرب، ضارب، تضرب، تضارب، استضرب، ضارب، ضروب، مضروب، أضرب منه، مضرب، مضرب، مضراب، ضريب، ضراب، ضرب، ضريبة. فهذه المشتقات وغيرها من هذه المادة (ض ر ب) احتفظت بترتيب حروفها، ومعناها سار في جميع ما يشتق منها. وقد أخذت من الضرب، وهو مصدر، والمصدر أكبر أصول الاشتقاق في العربية. واشتقت العرب من غير المصدر من أصول الاشتقاق أيضا. فأكثرت الاشتقاق من أسماء الأعيان كالذهب والبحر والنمر والإبل والخشب والحجر، فقالوا: ذهب وأبحر وتنمر وتأبل وتخشب واستحجر. ورأى مجمع اللغة العربية بالقاهرة قياسية هذا الضرب من الاشتقاق لشدة الحاجة إليه في العلوم، فقال: (اشتق العرب كثيرا من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم)، ثم رأى (التوسع في هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزا من غير تقييد بالضرورة). واشتقوا من أسماء الأعيان المعربة كالدرهم والفهرس، فقالوا: درهم وفهرس، ويقال من الكهرباء والبلور: كهرب وبلور. ووضع المجمع قواعد الاشتقاق من الاسم الجامد العربي والاسم الجامد المعرب. وقرر المجمع أيضا أنه (تصاغ مفعلة قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان أم من النبات أم من الجماد)، فيقال: مبقرة ومقطنة وملبنة.
جاء في تفسير الميسر: قوله سبحانه “وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” ﴿يونس 93﴾ بوّأنا: أنزلنا. بَوَّأْنا: أنزلنا و أسكنا. ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلا صالحًا مختارًا في بلاد “الشام” و”مصر”، ورزقناهم الرزق الحلال الطيب من خيرات الأرض المباركة، فما اختلفوا في أمر دينهم إلا مِن بعد ما جاءهم العلم الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ومن ذلك ما اشتملت عليه التوراة من الإخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. إن ربك أيها الرسول يقضي بينهم يوم القيامة، ويَفْصِل فيما كانوا يختلفون فيه من أمرك، فيدخل المكذبين النار والمؤمنين الجنة.
عن تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ” (يونس 93) أي أسكناهم مسكن صدق. وعلى هذا فقوله”مُبَوَّأَ صِدْقٍ” (يونس 93) يدل على أن الله سبحانه بوأهم مبوءا يوجد فيه جميع ما يطلبه الإنسان من المسكن من مقاصد السكنى كطيب الماء والهواء وبركات الأرض ووفور نعمها والاستقرار فيها وغير ذلك، وهذه هي نواحي بيت المقدس والشام التي أسكن الله بني إسرائيل فيها وسماها الأرض المقدسة المباركة وقد قص القرآن دخولهم فيها.
بوَّأ (بالألف في آخره): فعل من الفعل (بوّأ أو باء)، ويعني الإنزال والتهيئة والسكن؛ أي إعداد المكان وتمكين الشخص منه. ومنه قوله تعالى: “وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ” أي أسكنكم ومكّن لكم فيها.بُوءْ (بالهمزة في آخره): هو فعل أمر من الفعل (بَاءَ يَبُوءُ)، ويعني الرجوع أو الإقرار والاعتراف. ومنه الدعاء: “بُوءْتُ لك بنعمتك عليّ وبوءْتُ بذنبي”؛ أي اعترفتُ به ورجعتُ مقرّاً به.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ” (يونس 93). إنّ التعبير ب “مُبَوَّأَ صِدْقٍ” (يونس 93) يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه قد وفى بما وعد به بني إسرائيل و أرجعهم إلى الوطن الموعود، أو أنّ مُبَوَّأَ صِدْقٍ إشارة إلى طهارة و قدسية هذه الأرض، و بذلك تناسب أرض الشام و فلسطين التي كانت محط الأنبياء و الرسل. و قد احتمل جماعة أن يكون المراد أرض مصر، كما يقول القرآن في سورة الدخان الآية (25)- (28): “كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ * وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ * وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ” (الدخان 25-28). و قد جاء هذا المضمون في الآية (57)-(59) من سورة الشعراء، و نقرأ في آخرها: “وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ” (الشعراء 59). من هذه الآيات نخرج بأنّ بني إسرائيل قد بقوا فترة في مصر قبل الهجرة إلى الشام، و تنعّموا ببركات تلك الأرض المعطاء. ثمّ يضيف القرآن الكريم: “وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ” (يونس 93) و لا مانع بالطبع من أن تكون أرض مصر هي المقصودة، و كذلك أراضي الشام و فلسطين. إلّا أنّ هؤلاء لم يعرفوا قدر هذه النعمة “فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ” (يونس 93) و بعد مشاهدة كل تلك المعجزات التي جاء بها موسى، و أدلة صدق دعوته، إلّا “إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (يونس 93) و إذا لم يتذوقوا طعم عقاب الاختلاف اليوم، فسيذوقونه غدا. و قد احتمل أيضا في تفسير هذه الآية، أن يكن المراد من الاختلاف هو الاختلاف بين بني إسرائيل و اليهود المعاصرين للنّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم في قبول دعوته، أي إنّ هؤلاء رغم معرفتهم صدق دعوته حسب بشارات و علامات كتبهم السماوية، فإنّهم اختلفوا، فآمن بعضهم، و امتنع القسم الأكبر عن قبول دعوته، و إنّ اللّه سبحانه سيقضي بين هؤلاء يوم القيامة. إلّا أنّ الاحتمال الأوّل أنسب لظاهر الآية.
عن الاستاذ الدكتور عبد الرزاق منصور علي كما جاء في موقع لنكد ان: موسى لم يكن من بني إسرائيل: بنو إسرائيل: إسرائيل ليس هو النبي يعقوب: إسرائيل هو ممن كانوا مع نوح في السفينة ولم يكن من أهل نوح وبالطبع ليس من أبناء نوح وبالتالي ليس من أبناء إبراهيم ومن هنا نستنتج أن الرسل موسى وعيسى ومحمد ليسوا من بني إسرائيل- وذرية إسرائيل هم بنو إسرائيل “وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا” (الاسراء 2-3) وذرية أو “بنو” إسرائيل يختلفون عن ذرية إبراهيم تدبر معي قوله تعالى “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا” (مريم 55). ومما يؤكد أن بني إسرائيل ليسوا هم أبناء يعقوب نتدبر سياق آيات سورة المائدة التي تتحدث عن قتل أحد أبناء آدم لأخيه “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا” (المائدة 27) “فطوعت له نفسه قتل أخيه” (المائدة 30) الى قوله تعالى “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس او فساد فَي الارض َفكأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ” (المائدة 32) وكان لهم دراية بعلم “الكتاب” الذي أنزل قبل التوراة “كل الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ” (آل عمران 93) “وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ” (يونس 93).