بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
وقف (أحمد) أمام باب المؤسسة العريقة التي طالما حلم بالانضمام إليها؛ كانت اللوحات الإرشادية ذكية، والإضاءة مصممة بأحدث تقنيات الاستدامة، وشاشات العرض تبث شعارات براقة عن (الابتكار وتقدير الكفاءات. لكن بمجرد دخوله للمقابلة، وجد مديراً غارقاً في أوراق قديمة، لا ينظر في عينيه، ويتحدث بلغة خشبية تعود لثلاثة عقود مضت. في تلك اللحظة، أدرك أحمد أن المؤسسة استثمرت ملايين الدنانير في (الترميم الخارجي) ، لكنها نسيت ترميم (الروح الإدارية) التي تحركها.
من هذا المشهد الواقعي، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة النقد التحليلي: هل نحن نحدث المؤسسة أم نجمل وجهها فقط؟
إن المشهد الذي يطالعنا اليوم في الكثير من مفاصل العمل الإداري يشبه إلى حد بعيد تلك اللوحة الفنية التي أتقن الرسام زخرفة إطارها الخارجي بأبهى الألوان، بينما ترك مساحة القماش في المركز خاوية أو مشوهة.
لقد استهلكت مفاهيم (الحوكمة) و(الرقمنة) و(الاستدامة) في خطاباتنا الرسمية حتى أصبحت شعارات للاستهلاك البصري أكثر منها منهجاً للتطبيق العملي.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجهها المؤسسات اليوم ليست في نقص التكنولوجيا أو غياب الموارد المالية، بل في (عقم العقلية الإدارية) التي تدير هذه الموارد. فما الفائدة من وجود أحدث المنظومات الإلكترونية إذا كان الموظف الذي يقف خلفها لا يزال يفكر بعقلية (التعقيد) لا (التسهيل) ، وإذا كانت القيادة لا تزال تؤمن بالولاء الشخصي فوق الكفاءة المهنية؟
إن عملية (ترميم المؤسسات) لا تبدأ من طلاء الجدران أو شراء الخوادم الرقمية العملاقة، بل تبدأ من ترميم (القيم الوظيفية) .
نحن بحاجة إلى ثورة بيضاء في معايير الاختيار والتعيين، بحيث يتوقف استنزاف العقول الشابة المبدعة تحت مقصلة البيروقراطية القديمة. إن بقاء القيادات التي ترفض التغيير، أو تلك التي تخشى من كفاءة المرؤوسين، هو المعطل الحقيقي لأي عجلة تنموية؛ فالمؤسسة الحية هي التي تتنفس من خلال كفاءات أفرادها، لا من خلال عدد الأجهزة في مكاتبها. وعندما ننظر بعمق إلى الفجوة بين (الواجهة) و(الجوهر) ، نجد أن الخلل يكمن في غياب الفلسفة المؤسسية الواضحة؛ فالموظف ليس مجرد ترس في آلة، بل هو طاقة فكرية يجب أن تجد بيئة تحفزها على العطاء لا على الانكفاء.
إن الاستثمار في (الإنسان) هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخضع لقوانين الاهتلاك، بل ينمو بالتقادم ويثمر بالتقدير. لذا، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تحتم علينا اليوم تجاوز “عقدة المظهر” والالتفات بصدق نحو (جوهر العمل) . إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب بناءً على معايير علمية دقيقة وشفافة، وتفكيك مراكز القوى التقليدية التي تعيق تدفق الأفكار الجديدة. إننا بحاجة إلى مؤسسات (ذكية) بقراراتها وبشريتها، وليس فقط بشاشاتها وتقنياتها.
في الختام، يظل الرهان قائماً على قدرتنا على تحويل مؤسساتنا من مجرد “هياكل صامتة” إلى (كيانات نابضة) بالعدالة والكفاءة. فالترميم الذي لا يلمس حياة المراجع، ولا ينمي قدرات الموظف، ولا يحقق مصلحة الوطن العليا، هو محض زينة زائلة لن تصمد أمام اختبار الزمن.
فخ الكمال الرقمي هل ترمم المؤسسات واجهاتها وتنسى الإنسان