حَدِيثُ الجُمُعَةِ[١٢]

نزار حيدر

{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ}.
إِلى متى يظلُّ الباطلُ مختلِطاً بالحقِّ، والطَّالحونَ متستِّرونَ بالصَّالحينَ والفاسدُونَ والفاشلُونَ مختلِطونَ بالنَّزيهينِ والنَّاجحينَ والجهَلةُ والأُميُّونَ متخندقُونَ في صفِّ العُلماءِ والمفكِّرينَ وكلُّهُم يُحسَبُ لهُم حسابٌ واحدٌ ويُنظَرُ إِليهِم بعينٍ واحدةٍ ويتمُّ تقييمهُم بميزانٍ واحدٍ وأَنَّ ما ينتجُ عنهُم واحدٌ؟!.
إِلى مَتى؟!.
إِلى متى تتكرَّر مُعاناةَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِه النَّظَائِرِ}؟!.
نعجةٌ واحدةٌ خلطَها أَخوهُ معَ نِعاجهِ الـ [٩٩] فردَّ عليهِ نبيَّ الله داوُود (ع) بقولهِ كما يُحدِّثنا القرآن الكريم {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ} فكيفَ إِذا اختلطَ الحابلُ بالنَّابلِ في المُجتمعِ طِوالَ الوَقتِ؟!.
إِنَّ كُلَّ عمليَّةَ خلطٍ سواءً في القِيمِ أَو الرِّجالِ يستفيدُ منها الفاسِدونَ والفاشلُونَ والطَّالحونَ وتُقلِّلُ من قيمةِ ودَورِ النَّزيهينَ والنَّاجحينَ والصَّالحينَ في المُجتمعِ وفي تبليغِ الرِّسالةِ، ولهذا السَّبب نُلاحظ أَنَّ المُشرِّعَ حضَّ على التَّمييزِ والفرزِ دائماً ليسَ في الآخرةِ كما تُشيرُ إِلى ذلكَ الآيةُ الكرِيمة وإِنَّما حتَّى في الدُّنيا التي هي بمثابةِ مزرعةِ الآخرةِ وإِلَّا ماذا يفعلُ النَّاجحونً إِذا ظلَّ الفاشِلونَ متستِّرينَ بهِم في الحياةِ الدُّنيا؟! وماذا ينفعُ النَّزيهونَ إِذا كانَ الفاسدُونَ يتستَّرونَ بهِم في الدُّنيا؟! وإِذا كانَ المُجتمعُ لا يُميِّزُ بينَ النَّاقةِ والجمَلِ؟!.
يقولُ تعالى في آياتِ التَّمييزِ؛
{لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚفَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ} {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.
حتَّى فلسفةُ البلاءِ والإِمتحانِ والإِختبارِ التي شرَّعها الله تعالى إِنَّما هيَ للتَّمييزِ والفرزِ ليسَ بينَ الجماعاتِ المُختلفةِ فحسبْ وإِنَّما حتَّى داخل الجَماعة الواحِدة كما في قولهِ تعالى {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ}.
أَمَّا أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) فقد حثَّ الأَشتر النَّخعي لمَّا ولَّاهُ مِصر على وجوبِ التَّمييزِ بينَ عُمَّالِ الدَّولةِ وموظَّفيها بالعلمِ والإِنجازاتِ والنَّجاحاتِ والجدِّ والإِجتهادِ والحرصِ على الصَّالحِ العامِّ والنَّزاهةِ وبِكُلِّ المعاييرِ التي تدخُل عادةً في تقييمِ وتقويمِ الموظَّف في الشَّأنِ العامِّ على قاعدةِ [الرَّجلِ المُناسبِ في المكانِ المُناسبِ] والتي تَعني التَّمييزِ والتَّفريقِ والفرزِ.
كتبَ (ع) يقولُ {ولَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإِحْسَانِ فِي الإِحْسَانِ وتَدْرِيباً لأَهْلِ الإِسَاءَةِ عَلَى الإِسَاءَةِ وأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَه}.
فإِذا تستَّرَ المُسيءُ بالمُحسنِ فاقرأ على الدَّولةِ السَّلام!.
وإِنَّ هذا التستُّر يضرُّ بالمجتمعِ قبلَ أَن يضرَّ بالنَّاجحِ والنَّزيهِ والصَّالحِ، فليسَ كُلُّ المُجتمعِ قادرٌ على التَّمييزِ بنفسهِ بينَ النَّاجحِ والفاشلِ وبينَ النَّزيهِ والفاسدِ والمُحسنِ والمُسيءِ، ولذلكَ فإِنَّ من واجبِ أَهلِ الفكرِ الثَّاقبِ والرُّؤيةِ السَّليمةِ والبصيرةِ الإِستراتيجيَّةِ والبلاغةِ والخِطابةِ التي تعتمدُ الدَّليل والبُرهان والمَنطق أَن يبذلُوا قُصارى جهدهُم لمُساعدةِ الشَّارع والرَّأي العامِّ في عمليَّةِ الفرزِ والتَّمييزِ.
وفي هذا الواجِب الوطني والأَخلاقي لا مكانَ للخَوفِ أو التردُّدِ أَو المُجاملةِ وغضِّ الطَّرفِ حتَّى إِذا كانَ الجُهدُ بحاجةٍ إِلى وضوحٍ بقَسوةٍ فالصَّالحُ العامُّ ومصالح النَّاس أَهم من خاطِر مسؤُولٍ تكسرهُ الصَّراحة أَو [تاريخٌ جِهاديٌّ] تكشف عنهُ فضيحةً.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في عهدهِ المذكُور {أَنْصِفِ اللَّه وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ومَنْ لَكَ فِيه هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ! ومَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّه كَانَ اللَّه خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِه ومَنْ خَاصَمَهُ اللَّه أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وكَانَ لِلَّه حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ ولَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّه وتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ اللَّه سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ}.
ومنَ الذينَ يجِبُ فرزهُم هُم الذينَ يُتاجرُونَ بالمُقدَّسِ ويتستَّرونَ بالدِّينِ والمذهبِ والرُّموزِ التاريخيَّةِ المُقدَّسةِ فإِنَّ خطرَ هؤُلاء مُضاعفٌ وهُم يُسيئُونَ ويشوِّهونَ صُورة المُقدَّس، ولذلكَ يجبُ، أَخلاقيّاً على الأَقلِّ، فرزهُم وفضحهُم وتعريتهُم لحمايةِ المُقدَّسِ أَوَّلاً.
السُّؤَال المِحوري والجَوهري هوَ؛ مِن أَينَ تبدأ عمليَّة الفَرز؟! ومَن الذي يبدأ عمليَّة التَّمييز؟!.
الجَواب؛ أَنتَ! فلا تنتظِر من الآخرين أَن يفرزُوا لتلتَحِقَ بهِم! ولا تقُل [وما خطَري على الفاسدِينَ] لأَبدأَ بفرزهِم؟! أَبداً، فلَو أَنَّ كُلَّ واحدٍ في المُجتمعِ تحمَّلَ بنفسهِ مسؤُوليَّة الفرز والتَّمييز لانهارَ الفاسِدُون وانتهى الفاشِلونَ ولتفكَّكت عِصابات الطَّالحِينَ.
يقُولُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} و {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
أُنظرُوا كيفَ تبدأ عمليَّةُ الفَرزِ من أَضيقِ الحلقاتِ [الفَرد] لتتَّسِعَ بمرورِ الوقتِ لتُغطِّي المُجتمع برُمَّتهِ.
٢٠٢٦/٦/١٢