تفشٍ متصاعد لحمى القرم والكونغو في العراق.. إصابات ووفيات في عدة محافظات وطلب مساعدة دولية

إيهاب مقبل

تواصل حمى القرم والكونغو النزفية (CCHF) إثارة القلق على مستوى الصحة العامة في العراق خلال موسم انتقال العدوى لعام 2026، في ظل استمرار تسجيل إصابات جديدة وارتفاع النشاط الوبائي خلال فترة الربيع وبداية الصيف. ويُعد هذا المرض من الأمراض المتوطنة في العراق، ويرتبط بشكل أساسي بالتعرض للقراد المصاب، أو الاتصال المباشر بالحيوانات المصابة، أو التعامل مع دماء وأنسجة الحيوانات أثناء عمليات الذبح وتجهيز اللحوم.

ويُصنّف المرض كأحد الأمراض الفيروسية المنقولة عبر القراد، حيث ينتقل إلى الإنسان عبر لدغات القراد المصاب أو عبر ملامسة دماء أو أنسجة الحيوانات أو البشر المصابين. كما ينتشر في مناطق جغرافية واسعة تشمل أفريقيا، والبلقان، والشرق الأوسط، وعددًا من دول آسيا الواقعة جنوب خط العرض 50 شمالًا، وهو الحد الجغرافي لتواجد الناقل الرئيسي للمرض.

وتُعد دول إقليم شرق المتوسط، ومن بينها العراق، من المناطق التي يتوطن فيها المرض، ما يجعله تحديًا صحيًا متكررًا خلال المواسم الوبائية.

وتظهر البيانات الوبائية أن المرض يتبع نمطًا موسميًا واضحًا، إذ ترتفع الإصابات عادة خلال شهري مايو أيار ويونيو حزيران، وهي الفترة التي تشهد زيادة في حركة المواشي، والنشاط الزراعي، وارتفاع مستوى الاحتكاك بين الإنسان والحيوان.

ووفقًا لبيانات وزارة الصحة العراقية والتقارير الصحية المتاحة، شهد العراق خلال مايو أيار 2026 ارتفاعًا مستمرًا في أعداد الحالات المؤكدة، مع تسجيل إصابات ووفيات في عدد من المحافظات، ما يؤكد استمرار انتقال العدوى خلال موسم الذروة.

ذي قار في صدارة المحافظات المتأثرة
تشير المعطيات الصحية إلى أن محافظة ذي قار سجلت أعلى عدد من الإصابات مقارنة ببقية المحافظات، لتصبح بؤرة رئيسية لنشاط المرض، فيما تم تسجيل حالات إضافية في محافظات أخرى، من بينها البصرة، وميسان، وواسط، وبغداد، وديالى، وكركوك، إضافة إلى محافظات جنوبية ووسطى أخرى.

وبحسب أحدث الأرقام الواردة في التقارير الصحية، فقد بلغ عدد الحالات المؤكدة حتى بداية يونيو حزيران 2026 نحو 145 حالة، مع تسجيل 9 وفيات، فيما بلغ معدل الوفيات بين الحالات المصابة نحو 6.8 بالمئة. كما أظهرت البيانات ارتفاعًا كبيرًا في الإصابات خلال فصل الربيع، حيث انتقلت الأعداد من حالة واحدة في يناير كانون الثاني إلى عشرات الحالات خلال مايو أيار، الذي سجل النسبة الأكبر من الإصابات خلال العام.

وتُظهر الخبرات الوبائية التاريخية في العراق أن المرض سُجل لأول مرة عام 1979 لدى عشرة مرضى، ثم تتابعت الحالات بشكل متفرق عبر السنوات، حيث سُجلت ست حالات بين 1989 و2009، و11 حالة في عام 2010، إضافة إلى حالات وفاة في 2018، ثم 33 حالة مؤكدة بينها 13 وفاة في عام 2021، ما يعكس استمرار وجود المرض بشكل متقطع لكنه متكرر في البلاد.

كيف ينتقل المرض إلى الإنسان؟
تنتقل حمى القرم والكونغو النزفية إلى الإنسان عبر عدة طرق رئيسية، أهمها لدغ القراد المصاب، وهو الناقل الأساسي للفيروس بين الحيوانات، خصوصًا أنواع Hyalomma التي تُعد الناقل الرئيسي في المنطقة. كما يمكن أن تنتقل العدوى عند ملامسة دماء أو أنسجة الحيوانات المصابة أثناء عمليات الذبح أو السلخ أو تجهيز اللحوم.

وقد تحدث العدوى أيضًا عند التعرض لإفرازات الأشخاص المصابين في المراحل المتقدمة من المرض، خاصة في حالات الرعاية المباشرة دون اتخاذ إجراءات الوقاية المناسبة. وتزداد احتمالية انتقال العدوى في المسالخ غير النظامية، وأسواق المواشي، والمناطق الريفية التي يكثر فيها الاحتكاك المباشر بالحيوانات.

الأعراض والتطور السريري لحمى القرم والكونغو النزفية
بعد الإصابة بفيروس حمى القرم والكونغو النزفية نتيجة لدغة قراد مصاب، تكون فترة الحضانة عادة بين يوم إلى 3 أيام، وقد تصل في بعض الحالات إلى 9 أيام كحد أقصى. أما في حالات انتقال العدوى عبر ملامسة دماء أو أنسجة حيوانات أو أشخاص مصابين، فإن فترة الحضانة تكون أطول عادة، إذ تتراوح بين 5 إلى 6 أيام، وقد تمتد إلى 13 يومًا كحد أقصى.

يبدأ المرض بشكل مفاجئ وحاد، وتشمل الأعراض الأولية ارتفاعًا في درجة الحرارة، وآلامًا في العضلات، ودوخة، وألمًا في الرقبة والظهر، إضافة إلى صداع شديد، وألم في العينين، وحساسية مفرطة للضوء (رهاب الضوء).

وفي المراحل المبكرة أيضًا قد تظهر أعراض مثل الغثيان، والتقيؤ، والإسهال، وآلام في البطن، والتهاب الحلق. ومع تقدم الحالة، قد تحدث تغيرات حادة في المزاج تشمل القلق والتوتر والارتباك الذهني.

بعد مرور 2 إلى 4 أيام من بداية الأعراض، قد تتحول حالة المريض من التهيج إلى النعاس الشديد والاكتئاب والخمول العام، كما قد يتركز ألم البطن في الجزء العلوي الأيمن، مع إمكانية حدوث تضخم في الكبد يمكن اكتشافه سريريًا.

ومن العلامات السريرية الأخرى للمرض: تسارع ضربات القلب، وتضخم الغدد اللمفاوية، وظهور طفح جلدي نزفي صغير يعرف باسم النمشات، والذي يظهر على الأغشية المخاطية مثل الفم والحلق، وكذلك على الجلد.

وقد تتطور هذه النمشات إلى بقع نزفية أكبر تُعرف باسم الكدمات النزفية، إضافة إلى مظاهر نزيفية أخرى في الجسم.

وغالبًا ما تُظهر الحالات الشديدة علامات التهاب الكبد، وقد يعاني المرضى في الحالات الخطيرة من تدهور سريع في وظائف الكلى، أو فشل كبدي مفاجئ، أو فشل في الجهاز التنفسي بعد اليوم الخامس من المرض، ما يزيد من خطورة الحالة واحتمال الوفاة.

العلاج، نسب الوفاة، والوقاية الموسعة
تُظهر البيانات الطبية أن الرعاية الداعمة المكثفة المبكرة، بما في ذلك تنظيم السوائل في الجسم وعلاج الأعراض المحددة، يمكن أن تسهم في تحسين فرص البقاء على قيد الحياة. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن علاج نوعي معتمد بشكل رسمي وفعّال لحمى القرم والكونغو النزفية.

وتبلغ نسبة الوفيات الناتجة عن المرض حوالي 30%، وغالبًا ما تحدث الوفاة خلال الأسبوع الثاني من الإصابة. وفي الحالات التي تتعافى، يبدأ التحسن عادة في اليوم التاسع أو العاشر من بداية ظهور الأعراض.

ومن الصعب منع أو السيطرة على انتشار الفيروس بين الحيوانات والقراد، نظرًا لأن دورة انتقال العدوى بين القراد والحيوانات (قراد–حيوان–قراد) غالبًا ما تمر دون ملاحظة، كما أن العدوى في الحيوانات المنزلية لا تظهر عليها أعراض واضحة في كثير من الأحيان.

كما أن ناقلات القراد متعددة وواسعة الانتشار جغرافيًا، ما يجعل السيطرة عليها تحديًا كبيرًا. لذلك فإن مكافحة القراد باستخدام المواد الكيميائية (مبيدات القراد) تبقى خيارًا محدودًا وواقعيًا فقط في مرافق تربية المواشي المنظمة جيدًا.

ولا توجد حاليًا لقاحات متاحة على نطاق واسع للإنسان أو الحيوان للوقاية من المرض. وفي ظل غياب اللقاح، تبقى الطريقة الأساسية للحد من الإصابات هي رفع مستوى الوعي بالعوامل الخطرة، وتثقيف السكان حول الإجراءات الوقائية التي يمكن اتخاذها لتقليل التعرض للفيروس، مثل تجنب ملامسة الدماء والأنسجة الحيوانية المصابة، واستخدام وسائل الحماية الشخصية، وتعزيز ممارسات الذبح الآمن.

الفئات الأكثر عرضة للإصابة
تتركز مخاطر الإصابة بين الأشخاص الذين يتعاملون بشكل مباشر مع الحيوانات أو منتجاتها، مثل مربي المواشي، والجزارين، والعاملين في المسالخ، والأطباء البيطريين، وتجار الحيوانات، إضافة إلى سكان المناطق الريفية الذين يمارسون تربية الحيوانات بشكل تقليدي.

استجابة الهلال الأحمر العراقي وحملات التوعية
في مواجهة تصاعد خطر المرض، نفذت جمعية الهلال الأحمر العراقي، بالتنسيق مع وزارة الصحة والجهات البيطرية ومديريات الصحة المحلية، حملات توعية ووقاية في عدد من المحافظات عالية الخطورة.

وشملت هذه الحملات القرى والمناطق القريبة من المدن وأسواق المواشي ومحلات الجزارة وأماكن التجمعات العامة، بهدف إيصال رسائل صحية حول طرق الوقاية وتقليل احتمالية انتقال العدوى.

وركزت أنشطة التوعية على أهمية التعامل الآمن مع الحيوانات، واستخدام وسائل الحماية الشخصية، والتعرف المبكر على أعراض المرض، وضرورة مراجعة المؤسسات الصحية عند الاشتباه بالإصابة.

عاشوراء وزيادة المخاطر الوبائية
يأتي موسم زيارة عاشوراء بوصفه أحد أكبر التجمعات الدينية السنوية في العراق، حيث يتوافد ملايين الزائرين إلى مدينة كربلاء ومحيطها، إضافة إلى أماكن دينية أخرى في مدن مثل النجف وبغداد وبابل وواسط وميسان وذي قار والبصرة. ومع هذا التدفق البشري الكبير، تزداد الأنشطة المرتبطة بخدمات الزائرين، بما في ذلك إعداد الطعام في مواقع مؤقتة، وتوزيع اللحوم، وعمليات الذبح غير النظامية في بعض الحالات.

ويرى مختصون أن هذه الظروف قد ترفع من احتمالية التعرض لعوامل الخطر المرتبطة بحمى القرم والكونغو النزفية، خصوصًا في حال عدم الالتزام بإجراءات الذبح الآمن أو الرقابة الصحية على مصادر اللحوم. وعلى الرغم من أن المرض لا ينتقل عبر المخالطة العادية بين الأشخاص، فإن كثافة الحركة البشرية والتعامل الواسع مع المنتجات الحيوانية خلال هذه الفترة قد يزيدان من فرص انتقال العدوى بشكل غير مباشر.

طلب المساعدة الدولية وأبعاد الاستجابة الموسعة
في ظل استمرار تفشي حمى القرم والكونغو النزفية (CCHF) في عدد من المحافظات العراقية خلال موسم الذروة لعام 2026، أشارت بيانات الاستجابة الإنسانية إلى أن الحكومة العراقية، إلى جانب الجهات الوطنية المختصة، قد طلبت مساعدة دولية لتعزيز جهود السيطرة على المرض.

ويأتي هذا الطلب في سياق تصاعد عدد الإصابات المؤكدة والوفيات، واتساع نطاق الانتشار الجغرافي للمرض في محافظات عدة، ما يضع ضغطًا متزايدًا على قدرات النظام الصحي الوطني، خصوصًا فيما يتعلق بالترصد الوبائي، والاستجابة السريعة، وإدارة الحالات، ومكافحة عوامل الخطر البيئية المرتبطة بالقراد وتربية المواشي.

ويرتبط هذا التوجه أيضًا بالحاجة إلى تعزيز القدرات الفنية واللوجستية، بما في ذلك توفير معدات الوقاية الشخصية، ودعم المختبرات، وتوسيع برامج التدريب للعاملين الصحيين والبيطريين، إضافة إلى دعم حملات التوعية المجتمعية في المناطق عالية الخطورة.

كما يكتسب هذا الطلب أهمية إضافية في ظل اقتراب موسم زيارة عاشوراء، الذي يشهد تجمعات بشرية ضخمة وحركة واسعة للمواشي والمواد الغذائية، ما قد يزيد من احتمالات التعرض لعوامل الخطر، ويستدعي مستوى أعلى من الجاهزية والتنسيق متعدد القطاعات.

ويؤكد هذا الوضع الحاجة إلى استجابة مشتركة تجمع بين الجهود الوطنية والدعم الدولي ضمن إطار “الصحة الواحدة”، لضمان الحد من انتشار المرض وتقليل تأثيره على المجتمعات الأكثر عرضة للخطر في العراق.

الحاجة إلى إجراءات استباقية
تؤكد الجهات الصحية أن السيطرة على المرض تتطلب تعزيز أنظمة الترصد الوبائي، وتسريع الكشف عن الحالات، وتوسيع برامج التوعية، وتوفير معدات الوقاية للعاملين الصحيين والبيطريين، إضافة إلى تعزيز حملات مكافحة القراد ومراقبة حركة المواشي بين المحافظات.

كما تشمل الأولويات تطبيق إجراءات الذبح الآمن، وزيادة الرقابة على الأسواق والمسالخ، وتطوير التعاون بين القطاع الصحي والبيطري ضمن مفهوم “الصحة الواحدة” الذي يربط صحة الإنسان بصحة الحيوان والبيئة.

استعدادات مطلوبة خلال المرحلة المقبلة
مع استمرار تسجيل الإصابات خلال موسم الانتقال الحالي، يؤكد الخبراء أن الاستجابة الفعالة تتطلب تعاونًا بين وزارة الصحة ووزارة الزراعة والخدمات البيطرية والسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

ويُعد رفع الوعي المجتمعي، وتعزيز دور المتطوعين، وتحسين آليات الإبلاغ والكشف المبكر، من أهم الوسائل للحد من انتشار المرض وتقليل الوفيات، خصوصًا في المحافظات التي تشهد أعلى معدلات الإصابة.

وفي ظل استمرار النشاط الوبائي واقتراب فترات تشهد حركة بشرية واسعة مثل عاشوراء، تبقى الوقاية والتنسيق المبكر عاملين حاسمين لحماية المجتمع وتقليل تأثير حمى القرم والكونغو النزفية في العراق.

المراجع
العراق: تفشٍ وبائي – حمى القرم والكونغو النزفية في العراق / الهلال الأحمر العراقي، 11 يونيو حزيران (2026)
https://reliefweb.int/report/iraq/irq-epidemic-05-2026-crimean-congo-hemorrhagic-fever-cchf-iraqircs-2026-06-11

المملكة المتحدة – وكالة الأمن الصحي البريطانية، تقارير: الأحداث الوبائية تحت المراقبة – العراق وأفغانستان- بين 11 إلى 17 مايو أيار (2026)
https://www.gov.uk/government/publications/outbreaks-under-monitoring-in-2026/outbreaks-under-monitoring-week-20-week-ending-17-may-2026

ScienceDirect – دراسات علمية حول ديناميكيات تفشي حمى القرم والكونغو في العراق (2026)
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2949915126000338

منظمة الصحة العالمية (WHO) – ملف حمى القرم والكونغو النزفية
https://www.who.int/health-topics/crimean-congo-haemorrhagic-fever#tab=tab_1

انتهى