العلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية كإطار حاكم للإستراتيجية الصهيونية تجاه حزب الله..!!

غيث العبيدي

غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

«قراءة في محاور الردع والأستنزاف والعزل»

▪️ المقدمة:

شكّلت العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، منذ 1948، نموذجاً لعلاقة قائمة على غياب الاعتراف والسلام الرسمي، مع إستمرار النزاعات الحدودية والخروقات الجوية والبحرية، وفي هذا السياق ظهر حزب الله بعد 1982 كقوة مسلحة محلية في جنوب لبنان، ليرتبط حضوره مباشرةً بالفراغ الذي تركته الدولة اللبنانية في حماية القرى والبلدات الحدودية من الخروقات والتوغلات الصهيونية المتكررة على الجنوب اللبناني، وتسعى هذه الورقة إلى دراسة محددات الإستراتيجية الصهيونية وأليات ربطها بالملفات العالقة بين بيروت وتل أبيب.

▪️ محددات الإستراتيجية الصهيونية تجاه حزب الله:

بحسب الأدبيات الأمنية الإسرائيلية، والقواعد المتبعة في تل أبيب، تقوم الاستراتيجية الصهيونية تجاه حزب الله على ثلاث ركائز:

1️⃣. ركيزة الردع الديناميكي:

وتقوم على منع تثبيت معادلات ردع ثابتة لصالح حزب الله، عبر الرد السريع على أي عملية، بهدف إبقاء زمام المبادرة العسكرية بيد إسرائيل.

2️⃣. ركيزة الأستنزاف:

تركز وزارة الحرب الأسرائيلية على ضربات نوعية تستهدف القدرات الصاروخية والبنى التحتية والكوادر القيادية، أثناء الحرب أو من تحت سقف المفاوضات، بداع التدهور التدريجي لجهوزية الحزب وعلى المدى الطويل.

3️⃣. عزل حزب الله عن أدواره الوطنية:

تعمل حكومة الكيان الإسرائيلي على تصوير حزب الله في الخطابات الدولية كقوة خارج إطار الدولة، وفصل ملف أمن الجنوب اللبناني عن المؤسسات الرسمية اللبنانية.

▪️ آليات ربط الاستراتيجية الصهيونية بالعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية:

يتم توظيف الملفات العالقة بين الكيان ولبنان كأدوات ضمن الاستراتيجية الصهيونية تجاه حزب الله وكما يلي..

أولاً: ملف الحدود والسيادة:

أستمرار النقاط الخلافية على “الخط الأزرق” مدة طويلة وتأخير ترسيم الحدود البرية لعقود، وفّر حالة توتر دائم على الجبهة الجنوبية، ومن وجهة نظر مؤيدة للحزب، هذا الوضع جعل وجود قوة مسلحة محلية ضرورة ميدانية، لحماية القرى الحدودية من الخروقات والتوغلات، خصوصاً في فترات ضعف الدولة المركزية علمًا بأن إتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022، كرّس قناة الدولة للتفاوض، لكن الحزب أعتبر أن التلويح بقدراته العسكرية على أستهداف منصات الغاز كان عاملاً مهماً ساهم في إنجاز الإتفاق.

ثانياً: ملف الأمن ومعادلة الرد:

طبقت إسرائيل سياسة توسيع دائرة الرد، لتشمل البنى التحتية اللبنانية وفي المقابل، يرى أنصار الحزب أن معادلة “ردع مقابل ردع” وبيروت مقابل تل أبيب التي رسّخها الحزب في حروبه الأخيرة، منعت تكرار سيناريو إجتياحات واسعة للجنوب. فغياب الأجتياح الشامل منذ 2006 يُفسّر، من هذه الزاوية، بأن وجود قوة قادرة على الرد خفّض منسوب الاستهداف المباشر للمدنيين مقارنة بفترات سابقة.

ثالثاً: ملف الإقتصاد والتدويل:

ربط المجتمع الدولي المساعدات للبنان بشرط “حصر السلاح بيد الدولة” وشكّل ضغطاً على حزب الله، لكن خطاب الحزب يربط دائماً بين بقاء قدراته العسكرية وبين منع فرض وقائع أمنية جديدة على الحدود، على أعتبار أن أي تفريط بالقدرة الدفاعية في ظل غياب سلام رسمي وأتفاق أمني شامل سيعرض الجنوب لمخاطر أمنية كبيرة.

▪️ الخاتمة:

تظهر العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية كعامل محوري في تشكيل الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه حزب الله، فغياب الأتفاق الأمني الشامل وحتى وأن وجد مثل هكذا أتفاق فإنه عرضة للاختراقات الصهيونية المتكرره، والخلاصة الجوهرية بنتيجتها الكلية فأن أستمرار النزاعات الحدودية يوفّر الإطار الذي تتحرك فيه إسرائيل عسكرياً وسياسياً.

بالمقابل، يرى حزب الله وحاضنته، أن هذا الواقع هو ما يمنح دوره في حماية الجنوب شرعيته الميدانية، خصوصاً في ظل الفراغ الأمني للدولة اللبنانية، وغياب حل سياسي شامل يضمن أمن الحدود اللبنانية، ويوقف الخروقات الصهيونية، وبالتالي فأن أي تغيّر جذري في طبيعة العلاقات الثنائية بين تل أبيب وبيروت نحو تهدئة دائمة أو تسوية أمنية برعاية الدولة وبمعزل عن الجنوب اللبناني، سيعيد بالضرورة صياغة إستراتيجية صهيونية جديدة تجاه الجنوب اللبناني وهذه المرة بضوء أخضر من الحكومة اللبنانية نفسها.

وبكيف الله.