كامل الدلفي
يلمْلم بالدّها شُعبة وسَهْمي
أُميّة يفرهد بحگي وسهْمي
يَدريني جِلد وأصبر وسهْمي
يتحاشى الناس ترتد بين إيديه
مقدمة
تُفتتح هذه المقاربة الشعرية السياسية باستدعاء كثيف لمأساة صفّين، فكلمات النص الشعري موزعة نحو دلالاتها ، فتشير”بالدها” إلى “الدهاء السياسي” الذي جسّده المغيرة بن شعبة، أحد أبرز رجالات التحايل في البلاط الأموي، فيما تشير كلمة “سهمي” إلى عمرو بن العاص السهمي، العقل المدبّر لمؤامرة التحكيم. أما “أميّة” فهي إشارة إلى معاوية نفسه، الذي استثمر في دهاء هؤلاء ليعيد تشكيل السلطة السياسية على نحو يتنافى مع مبادئ الإسلام النبوي والراشدي.
تمثّل الأحداث الممتدة من معركة صفّين سنة 37 هـ إلى معركة كربلاء سنة 61 هـ إحدى أكثر المراحل تعقيدًا في التاريخ الإسلامي المبكر. ففي هذه الحقبة تبلورت تحولات عميقة في مفهوم السلطة السياسية وطبيعة الحكم في الدولة الإسلامية. اندلعت معركة صفّين بين الخليفة الرابع للمسلمين علي بن أبي طالب ووالي الشام معاوية بن أبي سفيان، الذي رفض مبايعته بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. ومع احتدام القتال واقتراب الحسم العسكري، لجأ جيش الشام إلى حيلة رفع المصاحف على أسنّة الرماح، في خطوة سياسية ذات طابع رمزي هدفت إلى وقف القتال والدعوة إلى التحكيم. كان لهذه المبادرة أثر بالغ في مسار المعركة، إذ قبل قسم من جيش الإمام علي بفكرة التحكيم، وهو ما أدى لاحقًا إلى سلسلة من الانقسامات السياسية والفكرية داخل المجتمع الإسلامي، وأسهم في إضعاف سلطة الخلافة المركزية. تشير العديد من المصادر التاريخية إلى الدور السياسي الذي لعبه عدد من رجالات الدولة آنذاك، ومن أبرزهم عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، اللذان عُرفا بمهارتهما السياسية في إدارة الصراعات. وقد مثّلت حادثة رفع المصاحف لحظة مفصلية في مجريات المعركة؛ إذ أوقفت اندفاع جيش الإمام علي نحو الحسم العسكري، وفتحت الباب أمام ما عُرف لاحقًا بـ حادثة التحكيم في صفّين، التي كان يُفترض أن تحسم النزاع سياسيًا. غير أن نتائج التحكيم لم تحقق الاستقرار المنشود، بل أدّت إلى تعميق الانقسام السياسي وظهور تيارات معارضة جديدة، من أبرزها جماعة الخوارج التي ستدخل لاحقًا في مواجهة مع الإمام علي في معركة النهروان. نتائج التحكيم وتداعيات الانقسام السياسي:
أسفر التحكيم وما تلاه من أحداث عن تحولات عميقة في بنية السلطة السياسية داخل الدولة الإسلامية، ويمكن تلخيص أبرز تلك النتائج في النقاط الآتية:
1- خسائر بشرية كبيرة .
تذكر بعض الروايات التاريخية أن المعركة أوقعت عشرات الآلاف من القتلى من الطرفين، ما جعلها من أكثر المعارك دموية في تاريخ المسلمين المبكر.
2 – تعميق الانقسام السياسي.
أدّت نتائج التحكيم إلى إضعاف سلطة الخلافة في الكوفة وتعزيز نفوذ معاوية في الشام، الأمر الذي مهّد لقيام مركزين متنافسين للسلطة السياسية.
3- تصاعد الصراعات الداخلية .
شهدت تلك المرحلة سلسلة من المواجهات العسكرية التي استنزفت الدولة الناشئة، بدءًا من معركة الجمل مرورًا بصفّين والنهروان، وهي صراعات أسهمت في إضعاف التجربة السياسية للخلافة الراشدة. 4- اغتيال الإمام علي .
انتهت هذه المرحلة باغتيال الإمام علي بن أبي طالب سنة 40 هـ على يد عبد الرحمن بن ملجم، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول كبيرة في تاريخ الحكم الاسلامي. من الصلح إلى الملك الوراثي : بعد وفاة الإمام علي، تولّى ابنه الامام الحسن بن علي الخلافة لفترة قصيرة قبل أن يعقد صلحًا مع معاوية بن أبي سفيان سنة 41 هـ، كان الهدف المعلن من هذا الصلح إنهاء حالة الاحتراب الداخلي والحفاظ على وحدة المسلمين. غير أن التطورات اللاحقة شهدت تحولًا مهمًا في طبيعة الحكم، حين أقدم معاوية في أواخر حياته على أخذ البيعة لابنه يزيد بن معاوية، وهو ما اعتبره بعض المؤرخين انتقالًا من نظام الشورى إلى نمط الحكم الوراثي. وقد أثار هذا التحول اعتراض عدد من الشخصيات البارزة في ذلك الوقت، كان من بينهم الامام الحسين بن علي. كربلاء: لحظة مأساوية في الذاكرة الإسلامية
رفض الامام الحسين بن علي مبايعة يزيد، وغادر المدينة متوجهًا نحو العراق استجابةً لرسائل وردته من أهل الكوفة. إلا أن الأحداث انتهت بمواجهة عسكرية غير متكافئة في صحراء كربلاء سنة 61 هـ. في تلك المواجهة قُتل الحسين وعدد من أفراد أسرته وأصحابه في ما عُرف تاريخيًا بـ معركة كربلاء، وهي حادثة تركت أثرًا عميقًا في الوجدان الإسلامي، وتحولت مع مرور الزمن إلى رمز ديني وأخلاقي للصراع بين السلطة والعدل في الذاكرة الثقافية للمسلمين. مقدمات التحول السياسي
لفهم تلك التحولات الكبرى، يشير بعض الباحثين إلى ضرورة النظر إلى سلسلة من الأحداث السابقة، مثل اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب على يد فيروز أبو لؤلؤة ، ثم مقتل الخليفة عثمان بن عفان بعد حصار داره في المدينة . وقد أسهمت هذه الأحداث في إدخال الدولة الإسلامية في مرحلة من الاضطراب السياسي والصراعات القبلية، الأمر الذي مهّد لظهور تحالفات سياسية جديدة وصعود قوى نافذة داخل الدولة.
خاتمة
إن تتبع المسار التاريخي الممتد من صفّين إلى كربلاء يكشف عن تحولات عميقة في مفهوم السلطة السياسية في الإسلام المبكر. فقد شهدت تلك المرحلة انتقالًا تدريجيًا من نموذج الخلافة القائم على الشورى والشرعية الدينية، إلى نمط حكم أكثر ارتباطًا بالاعتبارات السياسية والقبلية. وفي هذا السياق، ظل موقف الامام الحسين بن علي في كربلاء رمزًا أخلاقيًا في الذاكرة الإسلامية، إذ تحولت تضحيته إلى علامة بارزة في تاريخ الصراع بين السلطة والقيم، وبين منطق الدولة ومنطق الرسالة. وقد عبّرت الروايات التراثية عن هذا المعنى في العبارة التي أوجز فيها الامام الحسين موقفه المبدئي: إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني.