د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” (الشعراء 128) أي بكل مكان مرتفع وقيل بكل شرف عن ابن عباس وقيل بكل طريق عن الكلبي والضحاك “آية تعبثون” أي بناء لا تحتاجون إليه لسكناكم وإنما تريدون العبث بذلك واللعب واللهو كأنه جعل بناهم ما يستغنون عنه عبثا منعم عن ابن عباس في رواية عطا. ويؤيده الخبر المأثور عن أنس بن مالك إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج فرأى قبة مشرفة فقال: ما هذه؟ قال له أصحابه هذا لرجل من الأنصار فمكث حتى إذا جاء صاحبها فسلم في الناس أعرض عنه وصنع ذلك به مرارا حتى عرف الرجل الغضب والإعراض عنه فشكا ذلك إلى أصحابه وقال والله إني لأنكر نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أدري ما حدث في وما صنعت قالوا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى قبتك فقال لمن هذه فأخبرناه فرجع إلى قبته فسواها بالأرض فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فلم ير القبة فقال ما فعلت القبة التي كانت هاهنا؟ قالوا شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها فقال إن لكل بناء يبني وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما لا بد منه. وقيل: معناه أنهم كانوا يبنون بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسائلة فيسخروا منهم ويبعثوا بهم عن الكلبي والضحاك وقيل إن هذا في بنيان الحمام أنكر هود عليهم اتخاذهم بروجا للحمام عبثا عن سعيد بن جبير ومجاهد.
عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن كلمة أتبنون “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” ﴿الشعراء 128﴾ أَتَبْنُونَ: أَ حرف استفهام، تَبْنُ فعل، ونَ ضمير. تعبثون: تعبث فعل، ون ضمير، تعبثون اي للعب واللهو وإظهار القوة. أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عاليًا تشرفون منه فتسخرون مِنَ المارة؟ وذلك عبث وإسراف لا يعود عليكم بفائدة في الدين أو الدنيا، وتتخذون قصورًا منيعة وحصونًا مشيَّدة، كأنكم تخلدون في الدنيا ولا تموتون، وإذا بطشتم بأحد من الخلق قتلا أو ضربًا، فعلتم ذلك قاهرين ظالمين. وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قال الله تعالى عن كلمة أتبنون “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” ﴿الشعراء 128﴾ “أتبنون بكل ريع” مكان مرتفع “آية” بنا علما للمارة “تعبثون” ممن يمر بكم وتسخرون منهم والجملة حال من ضمير تبنون.
وعن عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” (الشعراء 128) الريع هو المرتفع من الأرض والآية العلامة والعبث الفعل الذي لا غاية له، وكأنهم كانوا يبنون على قلل الجبال وكل مرتفع من الأرض أبنية كالأعلام يتنزهون فيها ويفاخرون بها من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك بل لهوا واتباعا للهوى فوبخهم عليه. وقد ذكر للآية معان أخر لا دليل عليها من جهة اللفظ ولا ملاءمة للسياق أضربنا عنها. عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” (الشعراء 128) الريع المكان المرتفع، والمراد بالآية هنا البناء، وكل بناء يسد حاجة من حاجات الحياة فهو خير، ومن الدين لأن دين اللَّه هو دين الحياة، أما البناء الذي لا جدوى منه إلا التكاثر والتفاخر فهو شر دينا وعقلا، وهذا النوع من البناء هو المقصود بالآية بدليل قوله تعالى: “تَعْبَثُونَ” فإن العبث هو الذي لا تدعو الحاجة إليه.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” (الشعراء 128) (الريع) في الأصل يُطلقُ على المكان المرتفع، أمّا كلمة “تعبثون” فمأخوذ من (العبث)، ومعناه العمل بلا هدف صحيح، ومع ملاحظة كلمة (آية) التي تدل على العلامة يتّضح معنى العبارة بجلاء. وهو أنّ هؤلاء القوم المثرين، كانوا يبنون على قمم الجبال والمرتفعات الأُخر مبانيَ عالية للظهور والتفاخر على الآخرين، وهذه المباني (كالأبراج وما شاكلها) لم يكن من روائها أي هدف سوى لفت أنظار الآخرين، وإظهار قدرتهم وقوّتهم من خلالها. وما قاله بعض المفسّرين من أنّ المراد من هذا التعبير هو المباني والمنازل التي كانت تُبنى على المرتفعات، وكانت مركزاً للهو واللعب، كما هو جار في عصرنا بين الطغاة. فيبدو بعيداً، لأن هذا التعبير لا ينسجم مع كلمتي (الآية) و (العبث). كما أنّ هناك احتمال ثالث ذكره بعض المفسّرين، وهو أنّ عاداً كانت تبني هذه البنايات للاشراف على الشوارع العامّة، ليستهزئوا منها بالمارة، إلاّ أن التّفسير الأوّل يبدو أكثر صحة من سواه.
عن ملتقى الخطباء ليل الظالمين ونهاية الطغيان للشيخ حسان أحمد العماري: إذا كانت آثار الكبر والذي يعتبر من أعظم صفات الظالمين والطغاة خطيرة على الفرد فهي كذلك أشد خطراً على الأمم والشعوب والمجتمعات، وانظروا إلى قوم عاد وقد أعطاهم الله من النعم والخير الكثير وزادهم بسطة في الجسم والمال والذكاء والقوة ومع ذلك تكبروا وتجبروا، وقالوا: من أشدّ منا قوة؟ وأخذوا يستمتعون بالحياة على نحو مفرط، يتطاولون في البنيان، و يذهبون بأنفسهم، وإذا وقع بأيدهم ضعيف بطشوا به، لا يخافون قصاصاً مَنْ يقدر عليهم؟. قال لهم نبيهم هود: “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ” (الشعراء 128- 131) والريع: الربوة أو التل أو المكان المرتفع. فماذا كانت النتيجة قال تعالى: “فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ” (فصِّلت 15- 16).