عقدة ترامب الدينية
مقال: استقصائي تحليلي
بقلم: الكاتب والباحث الاستراتيجي
والخبير بشؤون الحركات الدينية د.حسام شعيب /سورية
صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد الماضي، بأن المرشد الإيراني القادم يجب أن يحظى بموافقته “وإلا لن يدوم طويلاً “.
وكان ترامب قد طالب بالمشاركة الشخصية في عملية الاختيار للمرشد الجديد في إيران ، لضمان قائد يجلب السلام . على حد قوله.
وعندما سُئل عما إذا كان سيوافق على شخص له صلات بالنظام السابق، أجاب ترامب: “نعم ، سأوافق ، لاختيار قائد جيد. هناك العديد من الأشخاص المؤهلين”.
وأعلنت إيران الأحد رسمياً عن تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران خلفاً لوالده علي خامنئي ، بعد أيام من اغتيال الأخير في الهجوم الأميريكي ‑الإسرائيلي على طهران في أواخر فبراير 2026.
وقد سبق هذه التصريحات يوم الخميس الماضي لقاء غير معتاد بين الرئيس الأميريكي دونالد ترامب وقادة دينيين مسيحيين من مختلف أنحاء الولايات المتحدة ، حيث شاركوا في صلاة جماعية داخل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض ، طالبوا خلالها الله بالحكمة والقوة للقيادة الأميريكية في مواجهة الأزمات الحالية .
وأظهر الفيديو الذي نشره البيت الأبيض على منصات التواصل الاجتماعي الرئيس ترامب وهو جالس خلف مكتبه بينما يلتف حوله نحو 20 قائداً دينياً ، بينهم قساوسة ينتمون للتيار الإنجيلي ، الذين وضعوا أيديهم على كتفيه وأظهروا في لقطات وهم يرفعون دعواتهم من أجل ” حماية وحكمة ” للرئيس وللقوات المسلحة الأميريكية .
وحسب مقتطفات من اللقطات المتداولة ، فقد تضمنت الصلوات عبارات مثل: “نمجد اسمك يا رب ، ونسألك أن تمنح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا في هذه الأوقات الصعبة “، إضافة إلى الدعاء بحماية القوات المسلحة الأمريكية و”الهداية الإلهية في صنع القرار”.
كما قال بعض الحاضرين إن الهدف من التجمع كان طلب التوفيق والحكمة للرئيس والقيادة الأمريكية، معتبرين أن الصلوات تمثل دعماً روحياً في مواجهة ما وصفوه بـ” التحديات الكبرى التي تواجه الأمة “، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية ضد إيران .
وقاد توم مولينز ، الصلاة وهو القس المؤسس لكنيسة ” كريست فيلوشيب “، وهي كنيسة متعددة الفروع تضم 30 ألف عضو يجتمعون في 15 موقعاً في أنحاء جنوب فلوريدا، حيث قال أدعو الله أن يمن عليه برحمته وحمايته. أدعو الله أن يمن على جنودنا وجميع رجالنا ونسائنا الذين يخدمون في قواتنا المسلحة برحمته وحمايته. وندعو الله أن يمنح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا ونحن نعود إلى أمة واحدة تحت راية الله .
هذا ” الهوس الديني ” أو عقدة دونالد ترامب الدينية ، بدت أكثر وضوحاً إثر محاولات اغتياله في 2024، ما عكس تبني ترامب الواضح خطاب القومية المسيحية كأداة سياسية. يركز ترامب فيها على تحالفه مع الإنجيليين، ويحيط نفسه بقادة روحيين ، ويقدم نفسه كـ “قورش” المخلص، معتبراً حملاته معارك روحية، مما يربط إيمانه (على حد زعمه) بشكل وثيق بـ “الترامبية المسيحية”.
والواقع أن ” الترامبية المسيحية ” ما هي إلا غطاء ديني للوصول إلى السلطة والبقاء فيها ، وهو ما تؤكده الكاتبة ميشيل غولدبرغ من صحيفة ” نيويورك تايمز ” أن ترامب غير المتدين هو حصان طروادة لليمين المسيحي الإنجيلي الذي يريد السيطرة على السياسة الأميركية.
إلا أن تساؤلات كثيرة تتبادر إلى الأذهان حول ماهية العلاقة بين الإنجيليين واليهود؟ ولماذا يدعم الإنجيليون الأميركيون ترامب وإسرائيل؟ وهل هي علاقة محبة حقيقية أم أن هناك تفسيراً آخر؟
يتطلّب فهم هذه الظاهرة العودة إلى الخلفية اللاهوتية للحركة الإنجيلية نفسها، وبخاصّة إلى ما يُعرف في الأدبيات الدينية باسم “التيار التدبيري الألفي” (Dispensational Premillennialism) ، فهذا الاتجاه اللاهوتي ، الذي تطوّر في القرن التاسع عشر ، يقوم على فكرة أن التاريخ يسير وفق مراحل إلهية محدّدة أو ” تدابير “، وأن المرحلة الأخيرة ستشهد سلسلة أحداث مرتبطة بنبوءات الكتاب المقدَّس ، منها عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة ” إسرائيل “، تمهيداً لمعركة هرمجدون التي تسبق عودة المسيح .
في التأسيس، ارتبط هذا التيار بإسم اللاهوتي الأنغلو – إيرلندي ، جون نيلسون داربي ، الذي قدّم في القرن التاسع عشر تفسيراً جديداً للنبوءات التوراتية، غير أن انتشاره الواسع في الولايات المتحدة جاء لاحقاً عبر ما عُرف بـ” الكتاب المقدس المرجعي سكوفيلد “، الذي حرّره القس الأميركي كيروس سكوت سكوفيلد (Cyrus I. Scofield) في مطلع القرن العشرين، وأصبح أحد أكثر النصوص تأثيراً في الأوساط الإنجيلية الأميركية.
لاحقاً، تطوّرت هذه الرؤية عبر منظّرين ووعّاظ إنجيليين مثل هال ليندسي الذي حقّق كتابه “The Late Great Planet Earth” انتشاراً واسعاً في سبعينيّات القرن الماضي، وصولاً إلى شخصيات معاصرة مثل القس جون هاغي (John Hagee) مؤسّس منظمة “مسيحيون متّحدون من أجل إسرائيل”، التي تُعدّ واحدةً من أهم شبكات الضغط الدينية المؤيّدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. وتكمن أهمية هذا التيار في أنه يضع ” إسرائيل ” في قلب السردية اللاهوتية للتاريخ ، ذلك أن قيام الدولة العبرية وازدهارها ، وفق هذا التصوّر ، ليس مجرّد حدث سياسي أو تاريخي ، بل خطوة أساسية في تحقّق النبوءات التوراتية. ومن هنا نشأة ظاهرة الصهيونية المسيحية (Christian Zionism) التي تمزج بين الإيمان الديني والدعم السياسي القوي ” لإسرائيل” .
لم يبقَ هذا البعد اللاهوتي في حدود الوعظ الديني أو الثقافة الشعبية ، بل تسلّل تدريجياً إلى المجال السياسي الأميركي؛ ففي عهد رونالد ريغان ظهر الخطاب الديني في السياسة الخارجية الأميركية بشكل واضح ، خصوصاً في إطار الصراع الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي حينها ، ثم تعزّز هذا الاتجاه في عهد جورج دبليو بوش بعد هجمات “11 سبتمبر” /أيلول 2001، حين دخلت اللغة الدينية إلى خطاب ” الحرب على الإرهاب “، حتى وإن لم تكن هي العامل الحاسم في القرار السياسي.
أمّا النفوذ الحقيقي للحركة الإنجيلية داخل السياسة الأميركية فقد بلغ ذروته مع صعود دونالد ترامب إلى السلطة عام 2016، إذ شكّل التحالف بين ترامب والإنجيليين أحد الأعمدة الأساسية لظاهرة “ماغا”، حين حصل الإنجيليون على حضور واضح داخل المشهد السياسي مقابل دعمهم الانتخابي الواسع للرئيس الجمهوري دونالد ترامب في ولايته الأولى من 20 يناير 2017 إلى 20 يناير 2021، وفي ولايته الثانية حيث تولى منصبه في 20 يناير 2025 ، ويتجلّى هذا التأثير بوضوح في السياسات الأميركية تجاه إسرائيل خلال المرحلتين.
وهذا ما يفسر تلك الضغوطات التي مارسها الإنجيليون لنقل السفارة الأميركية إلى القدس ، والاعتراف بضم الجولان السورية إلى أراضي الكيان المحتل (اسرائيل) حيث طلب الإنجيليون من ترامب أن ينفذ ما تعهد به خلال حملة ترشحه للولاية الأولى . بالإضافة لذلك ، تشير التقارير إلى الدور الكبير الذي مارسه مايك هاكبي، والد سارة هاكبي المتحدثة باسم رئاسة البيت الأبيض ، الحاكم السابق لولاية أركنسو والمرشح الرئاسي السابق. ويقف هاكبي على رأس منظمة مسيحية تدعى My Faith Votes نشطت في موضوع القدس ونشرت عريضة على موقعها على الإنترنت دعت الناس للضغط على الرئيس ترامب للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وهذا ما حصل
ففي 23 فبراير 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن السفارة الأمريكية الجديدة ستفتح في مايو من ذلك العام. وافتتحت السفارة الأمريكية رسمياً في القدس في 14 مايو 2018 ، بالتزامن مع الذكرى السبعين لما تعتبره ” إسرائيل ” بإعلان ” إستقلالها ” عن سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين .
كما وقّع دونالد ترامب في 25 مارس/أذار 2019 مرسوماً رئاسياً يعترف رسمياً ” بسيادة إسرائيل ” على مرتفعات الجولان السورية المحتلة منذ عام 1967 ، تلبية لأجندة الإنجيليين الصهاينة الذين يؤمنون بأن هذه الخطوات تعجل ” بنهاية العالم ” وعودة المسيح .
ويزعم أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه منح مرسوماً إلهياً لتحقيق النبوءات المسيحية بمواجهة إيران، وأن تدخله بشكل مباشر في هذه الحرب ما هو إلا استجابة لنداء الرب .
إن عقدة ترامب الدينية تتمثل في التحالف الوثيق مع اليمين المسيحي الإنجيلي ( خاصة حركة الإصلاح الرسولي الجديد ) الذي يرى في ترامب “مختاراً من الله” لإعادة الهيمنة المسيحية ( الجبال السبعة ) ونصرة ” إسرائيل “.
تستند علاقة دونالد ترامب باليمين المسيحي الإنجيلي في أمريكا إلى تحالف ” منفعة متبادلة ” ، فبينما حصل ترامب على أصوّت الغالبية العظمى من الإنجيليين ، معتبرين ولاءهم له جزءاً من معركة روحية ، ووصل الدعم إلى حد وصف معارضته بمعارضة ” الله “، تبنى هو الآخر قضاياهم وقام بتعيين قضاة محافظين ، ومحاربة الإجهاض ، وحماية “الحريات الدينية” اليمين المسيحي ، كما اعتمد على قادة إنجيليين مثل ” باولا وايت ” كقسيسة شخصية ومستشارة في البيت الأبيض لتعزيز تواصله مع هذه القاعدة .
وقد شكك الكثيرون في عمق انتماءات دونالد ترامب الدينية ، حيث أظهر استطلاع أُجري خلال فترة رئاسته الأولى (2017–2021) أن 63% من الأمريكيين لا يعتقدون أنه متدين ، رغم انتمائه المسيحي المعلن ، وأن 44% فقط من الأميريكيين يعتقدون أن ترامب مسيحي .
لكن بعض تعليقات ترامب حول الكتاب المقدس أو الممارسات المسيحية دفعت المراقبين النقديين إلى اقتراح أن معرفته بـ المسيحية سطحية أو خاطئة ، كما وصفه قليل من كتاب سيرته بأنه متدين بعمق أو حتى متدين بشكل خاص. وهو لا يحضر الخدمات الكنسية بانتظام.
بعد عام 2020، تبنى ترامب بشكل متزايد القومية المسيحية في خطاباته وصوره ، حيث قام ببيع الأناجيل ، وصوّر حملاته على أنها معارك روحية ، وأنشأ فرقة عمل فيدرالية بشأن التمييز ضد المسيحيين. وبينما يسلط مؤيدوه الضوء على توافقه مع القضايا الإنجيلية ، يجادل النقاد بأن إيمان ترامب يعمل كأداة سياسية أكثر من كونه التزاماً روحياً عميقاً. ومنذ عام 2025، أعرب ترامب مراراً عن شكه فيما إذا كان سيذهب إلى الجنة .
استخدام ترامب للعبارات الدينية ، كتلك التي استخدمها في خطبة يوم الصلاة حينما قال: ” لكي تكون أميركا أمة عظيمة ، يجب أن نظل دوماً أمة واحدة تحت الله “، مجرد استعارات عاطفية، بل دعوة واضحة لاستدعاء الإيمان إلى قلب الفضاء العام ، وكمحرك للهوية وموجه للسياسات . ويتردد صدى هذا التوجه في مبادراته مثل ” مكتب الإيمان ” الذي أنشأه في البيت الأبيض ، ودعمه لعرض ” الوصايا العشر ” في المدارس ، وأوامره التنفيذية التي يقدمها بدعوى حماية المسيحيين مما يصفه بـ” التحيز الممنهج ضدهم “.
في المقابل، يرى منتقدو ترامب أن خطابه الديني مجرد تكتيك سياسي متقن ، لا انعكاساً لعقيدة صادقة ، فالرجل المنتفخ بالأورام الابستينية والذي عُرف بمسيرة حياتية لا تتسق بالضرورة مع أنماط التدين المحافظ، يبدو في كل ظهور علني بارعاً في تطويع المفردات الدينية المسيحية لاستمالة الإنجيليين البيض. ويشير هؤلاء النقاد إلى أن قراراته ذات الصبغة الدينية غالباً ما يستخدمها في أزماته ” أدوات تعبئة ” شعبية مدروسة .
ومما لاشك فيه أن ترامب يتقن توظيف مفردات الدين والإيمان ، ويعرف كيف يُخاطب جمهوره من بوابة العاطفة الدينية. ترامب ليس مبشراً ، بل رجل أعمال يعرف شرائح ” السوق ” التي يخاطبها ، ويمتلك مهارة المزج بين البراغماتية السياسية ، والمغامرة الخطابية المحسوبة باسم الدين ، وبغض النظر عن عمق قناعاته الدينية حيث يتداخل الشخصي والسياسي في سلوكه وقراراته بشكل كبير ، لكن الأمر المؤكد هو أن ترامب يدرك بحسه السياسي أن الدين في بلاده ليس مجرد شأن خاص ، بل هو لغة قوة ومصدر شرعية ونفوذ .
د.حسام شعيب/سورية