بقلم: حسين شكران العقيلي
14اذار 2026
في لحظات التاريخ الحرجة، حين تتلاطم أمواج الفتن وتنكشف معادن النفوس، تبرز ظاهرة تستدعي الوقوف الطويل والقراءة المتأصلة؛ وهي ظاهرة (الظهير الداخلي) أو المسلم الذي يختار، بوعي أو بغير وعي، أن يكون سنداً لعدو أمته ضد بني جلدته وعقيدته. إن هذه المساندة ليست مجرد موقف سياسي عابر أو وجهة نظر براغماتية، بل هي في عمقها أزمة في الوعي وانحراف في فلسفة الولاء التي ضبطها الوحي الإلهي في أحكم صوره.
تبدأ القراءة النقدية لهذه الظاهرة من تشخيص (سيكولوجية الهزيمة) التي تسيطر على هذا النموذج من البشر. فالقرآن الكريم لم يترك هذه الحالة دون توصيف دقيق، بل كشف عن عوارها في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. إنها (المسارعة) التي تعكس رعباً باطنياً وفقدان ثقة بالذات وبالحق، حيث يتوهم هؤلاء أن العزة والمنعة تكمن في التقرب من الخصم القوي، غافلين عن الحقيقة القرآنية الخالدة التي تتساءل في استنكار عميق: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
وعند تتبع السردية القرآنية، نجد أن هؤلاء المساندين غالباً ما يغلفون مواقفهم بشعارات براقة مثل (العقلانية) ، ( الإصلاح) ، أو (تجنب الصدام) ، وهي الحجة التي فضحها الوحي منذ فجر الرسالة بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾. إن النقد هنا يتوجه إلى (قلب الحقائق) ؛ فالمساندة التي تضعف الصف الداخلي وتقوي شوكة المعتدي هي الإفساد بعينه، مهما تزينت بمساحيق الدبلوماسية أو ادعاءات الحكمة.
إن الانتماء للأمة في المنظور النبوي الشريف ليس مجرد شعار، بل هو عضوية حيوية في جسد واحد، كما وصفه الرسول ﷺ بقوله:) مَثَلُ المؤمنين في تراوُدِهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مثلُ الجسدِ، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى) . ومن هنا، فإن أي مساندة للعدو تُعد (بتراً) لهذا العضو من جسد الأمة، ومخالفة صريحة للأمانة التي حملها المسلم تجاه إخوانه. فالنبي ﷺ حذر من خيانة هذا الرابط المقدس حين قال: (المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا يُسْلِمُه) ؛ وكلمة (لا يُسلمه) هنا هي جوهر النقد، فهي تعني ألا يتركه فريسة لعدوه، فكيف بمن يمد العدو بأسباب القوة والظهور؟
إن التحليل المنطقي لهذه التبعية يكشف عن وهم كبير؛ فالعدو الذي يُستنصر به ضد الأخ لا يرى في المساند له حليفاً مكافئاً، بل يراه أداة وظيفية تنتهي صلاحيتها بانتهاء المهمة. والقرآن يحذر من هذه (البطانة) التي تخترق نسيج الأمة وتعمل لحساب الخارج بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خبالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. إنهم لا يكتفون بالمساندة، بل يبثون الوهن والاضطراب (الخبال) في الصفوف، مدفوعين برغبة دفينة في رؤية الأمة تعاني وتتعثر.
ختاماً، إن القراءة النقدية في ضوء الوحي تقودنا إلى نتيجة حتمية: وهي أن الانحياز لصف الأعداء هو (تيه فكري) وضلال في بوصلة الانتماء. فالأمان الحقيقي والقوة المستدامة لا تُبنى على أنقاض الأخوة، ولا تُستجدى من أبواب الخصوم، بل تُستمد من الاعتصام بحبل الله والالتحام بالصف المؤمن. إنها دعوة لاستعادة الوعي بالهوية، وإدراك أن التاريخ لا يرحم مَن خذل أمته، والوحي لا يغفل عمن باع ثوابته، ليبقى المؤمن الحق حصناً منيعاً لآمال أمته، لا ثغرة يتسلل منها الطامعون.
فلسفة الموالاة والخذلان ( قراءة نقدية في ضوء القرآن الكريم لمن يساند العدو ضد المؤمنين)