بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم

رياض سعد

في العراق، لم تعد مفارقات الأجور مجرد أرقام متباينة في جداول الرواتب، بل أصبحت تعبيراً صارخاً عن خلل عميق في فلسفة الدولة الاقتصادية واختلال مقلق في مفهوم العدالة الاجتماعية.

أي منطق هذا الذي يجعل عامل نظافة وافداً يتقاضى ستمائة ألف دينار شهرياً، فيما لا يحصل ابن البلد، الذي يؤدي العمل ذاته وتحت الظروف نفسها ؛ أن لم أصعب وأقسى، إلا على مئة وسبعين ألف دينار؟!

وأي رسالة تبعثها الدولة إلى مواطنيها حين يصبح الانتماء إلى الوطن عبئاً مالياً لا ميزة أخلاقية أو قانونية؟

المفارقة لا تقف عند حدود العمالة البسيطة… ؛  ففي بلد يعتمد على النفط في تمويل ما يقرب من 88% من موازنته العامة، تلتهم الرواتب والأجور سنوياً نحو تسعين تريليون دينار عراقي، من دون أن ينعكس هذا الإنفاق الهائل في صورة نظام أجور عادل أو كفوء أو منتج.

في الحقول النفطية، يتقاضى مهندس أجنبي أضعاف ما يتقاضاه نظيره العراقي، رغم أن كثيراً من الكفاءات العراقية لا تقل علماً ولا خبرة ولا قدرة على الإنجاز.

وفي مؤسسة يفترض أنها تكافئ الإخلاص والخدمة الطويلة، يقضي موظف ثلاثين عاماً من عمره في خدمة الدولة ليغادر بتقاعد لا يتجاوز ستمائة ألف دينار، بينما يحصل مسؤول أو نائب لم يختبر عناء الوظيفة العامة بالمعنى الحقيقي على امتيازات تقاعدية تفوق ذلك بأضعاف مضاعفة.

بل إن المفارقة تبلغ ذروتها حين يصبح ما يتقاضاه بعض المستفيدين من الإعانات الاجتماعية، وهم في بيوتهم، أعلى مما يحصل عليه عامل يكدح تحت شمس الصيف وبرد الشتاء لتأمين لقمة عيشه… ؛  وحين تفقد الأجور علاقتها بالجهد والإنتاجية والكفاءة، فإنها لا تعود أداة لتحقيق العدالة، بل تتحول إلى مصنع للإحباط والشعور بالغبن وتآكل الثقة بالدولة.

إنها ليست مجرد اختلالات إدارية عابرة، بل “قسمة ضيزى” بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ قسمة تعمق الفوارق الطبقية، وتكافئ الامتياز على حساب الاستحقاق، وتفتقر إلى أبسط قواعد المنطق الاقتصادي الذي يفترض أن يربط الأجر بقيمة العمل، والكفاءة بحجم العائد، والحماية الاجتماعية بالحاجة الفعلية.

إن إقرار سلم رواتب جديد قائم على العدالة والكفاءة، وإعادة النظر في التشريعات التقاعدية والامتيازات غير المبررة، لم يعد مطلباً فئوياً أو قضية معيشية تخص الموظفين وحدهم، بل أصبح ضرورة وطنية تمس الأمن المجتمعي والسلم الأهلي والاستقرار الاقتصادي. فالدولة التي يشعر مواطنها بأن جهده لا يُنصف، وأن كرامته أقل قيمة من الامتيازات السياسية أو الحسابات الضيقة، إنما تزرع في النفوس بذور النقمة وتضعف الإيمان بفكرة المواطنة نفسها.

فالعدالة في توزيع الأجور ليست ترفاً اقتصادياً، بل هي أحد أعمدة الدولة الحديثة… ؛ وحين يختل ميزانها، لا تتضرر الخزينة وحدها، بل يتصدع العقد الاجتماعي بأكمله.