الشيخ عداي وإحياء النعرات( هل نحن أمام موجة جديدة من الانقسام)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
١٥ اذار ٢٠٢٦
​في المنعطفات التاريخية التي تمر بها الأوطان، تبرز الحاجة الملحة لخطاب العقل والاعتدال كضمانة وحيدة لصيانة السلم المجتمعي. إلا أن ما نشهده اليوم من طروحات وبيانات صادرة عن (الشيخ عداي الغريري) يضعنا أمام تساؤلات مشروعة وخطيرة حول توقيت وجدوى إثارة النعرات الطائفية في جسد مجتمع يسعى جاهداً للتعافي من ندوب الماضي. إن القراءة المتأنية لهذا الخطاب المتشنج تكشف عن (نفس طائفي) يتجاوز حدود النقد الديني أو المذهبي، لينزلق نحو إيقاظ فتن نائمة كادت أن تطويها ذاكرة الأجيال بفضل التضحيات والوعي الوطني.
​إن البيانات التي يروج لها الشيخ عداي لا يمكن تصنيفها إلا ضمن إطار (التحريض المنهج) فهي تعتمد استراتيجية استدعاء الخلافات التاريخية العميقة وتوظيفها بأسلوب إقصائي يرفض الآخر جملة وتفصيلاً.
هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بزعزعة الثقة بين المكونات، بل يعمل على خلق بيئة خصبة للاستقطاب الحاد، حيث تتحول الكلمة من أداة للبناء والإرشاد إلى شظايا تخترق النسيج الاجتماعي. وبتحليل سردية هذه التصريحات، نجدها تفتقر إلى أدنى مقومات المسؤولية الأخلاقية والوطنية، إذ تضع المصالح الفئوية الضيقة فوق اعتبار الوحدة الوطنية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام موجة جديدة من الانقسام المجتمعي الذي قد لا تحمد عقباه.
​وما يثير القلق بشكل أكبر هو محاولة إلباس هذا النفس الطائفي ثوب (الدفاع عن المعتقد) بينما الحقائق تشير إلى أن تفتيت المجتمع وإضعاف تلاحمه هو النتيجة الحتمية لهذه المغامرات الخطابية.
إن لغة التخوين والطعن في الهويات التي ينتهجها الشيخ عداي تمثل انتكاسة حقيقية لمبدأ (المواطنة الجامعة) وتكشف عن رغبة في العودة بالبلاد إلى عصور الفوضى الفكرية والنزاعات الجانبية التي لا يستفيد منها إلا أعداء الاستقرار.
إن الاستمرار في بث هذه السموم تحت غطاء المنبر أو الصفة الدينية يتطلب وقفة حازمة ومسؤولة، ليس فقط من قبل المؤسسات الرقابية والقانونية، بل من خلال وعي مجتمعي شعبي يرفض الانجرار وراء دعوات التفرقة.
​ختاماً، إن الحفاظ على السلم الأهلي ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو عقد اجتماعي يشترك فيه الجميع، وأي صوت يشذ عن هذا الإجماع الوطني—كما هو الحال في خطاب الشيخ عداي—يجب أن يُجابه بالحجة والمنطق والقانون. إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لإرادتنا في التعايش، فإما أن نسمح لهذه الأصوات بإحياء النعرات وإعادة إنتاج الأزمات، أو نختار المضي قدماً نحو دولة المؤسسات والعدالة التي لا تفرق بين أبنائها على أساس مذهب أو عرق. إن التاريخ لن يرحم العابثين بمصير الشعوب، والوعي هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه أمواج الفتنة مهما علا ضجيجها.