صباح البغدادي
قراءة الإعلام الرياضي العراقي وترسيخ سردية الإحباط: كيف يؤثر تشاؤم (المحللين) على أداء المنتخب بكأس العالم لكرة القدم؟
(*) حتى أعرق المنتخبات العالمية في كرة القدم ليست بمنأى عن الإخفاقات غير المتوقعة ، إذ كثيراً ما شهدت البطولات الكبرى نتائج صادمة ومفاجآت غير محسوبة على مستوى التوقعات الفنية أو حتى منطق التحليل الرياضي “ألمانيا 7 – 1 البرازيل” ؟ (1).
(*) نريد ان تترسخ روح المواجهة والمنافسة الشرسة في عقلية “منتخبنا” ويجب أن نتجاوز بشكل نهائي العقلية الانهزامية، وأن نكسر ما يُعرف بـ”عقدة الخواجة” لنخوض المنافسات بثقة كاملة وإيمان بالقدرة على مجاراة أي خصم دون خوف أو تردد.
من يتابع البرامج الرياضية والتحليلات التي تسبق بطولات كأس العالم سوف يلاحظ حتمآ بأن معظم المحللين الرياضيين، وخصوصاً في بعض القنوات الإخبارية العراقية، يتعاملون مع حظوظ المنتخب العراقي بعقلية استسلامية انهزامية انكسارية مسبقة تفتقر بدورها إلى أدني تعابير الروح الرياضية. فبدلاً من بث الثقة والأمل والتحدي والمواجهة في نفوس وعقلية لاعبي المنتخب ، نجد أن هناك إصراراً غير مسبوق على تصوير فرص المنتخب في التأهل إلى الدور الثاني على أنها شبه معدومة أو تكاد تكون مستحيلة، وكأن نتائج المباريات حُسمت قبل أن تنطلق صافرة البداية. وخطورة هذا النوع من الخطاب الرياضي الموجه من قبل هؤلاء (المحللين) لا يقتصر تأثيره فقط على الجماهير فحسب، بل يمتد إلى اللاعبين أنفسهم وإذا تحول إلى حالة عامة في الرأي العام، مما ينعكس سلباً على النفسية والثقة والأداء داخل المستطيل الأخضر , باعتبار ان نتيجة المباراة حسمت بالأصل إلى الفريق المنافس , فيقل عطائه وتحديه داخل الملعب ويجعل منه كحالة انهزامية مسبقة . فالمنتخبات لا تدخل المباريات وهي تحمل إحصائيات المحللين على أكتافها، بل تدخلها بالإرادة والعزيمة والانضباط التكتيكي والإيمان بالقدرة على المنافسة مهما بلغ قوة الخصم وسمعته الكروية ؟ وفي كرة القدم، لا يوجد فارق حقيقي في البنية البدنية الأساسية بين اللاعبين؛ فمثلما لديه قدمين لديك أيضا قدمين وليس قدم واحدة وهو لديه ثلاث اقدام ليتوفق عليك , فالجميع يمتلك القدرات البدنية ذاتها من حيث المبدأ، واللعبة لا تُحسم بعدد “الأقدام” بل بطريقة توظيفها داخل الملعب والفارق الحقيقي لا يكمن في الجسد، بل في العقلية، والثقة، والانضباط التكتيكي.فالمنافس قد يدخل المباراة وهو يمتلك أفضلية نظرية على الورق، أو تاريخاً أكبر، أو سمعة أقوى، وقد يترسخ لديه انطباع مسبق بأن الخصم أقل منه مستوى، ولكن هذه الأفضلية لا تعني شيئاً إذا واجه فريقاً منظماً يمتلك روحاً قتالية عالية وإصراراً على فرض شخصيته داخل المستطيل الأخضر. ولذا عندما يدخل اللاعبون المباراة بعقلية منضبطة، ويطبقون التعليمات التكتيكية بدقة، ويظهرون شراسة إيجابية في الالتحامات والضغط والتحرك بدون كرة، فإن ذلك يغير ديناميكية اللقاء بالكامل. فحتى الفريق الأكثر خبرة قد يجد نفسه تحت ضغط غير متوقع، ويواجه صعوبة في فرض أسلوبه إذا اصطدم بخصم لا يمنحه المساحات أو الوقت للتفكير. وهنا يظهر جوهر كرة القدم الحديثة فأنها :” ليست مواجهة بين أسماء أو تصنيفات، بل صراع بين أفكار كروية تُنفذ على أرض الملعب” والفريق الذي يفرض إيقاعه ويؤمن بقدراته، حتى أمام خصم أقوى نظرياً، يستطيع أن يخلق التوازن ويجبر المنافس على التكيف معه بدلاً من العكس. وبذلك، فإن عنصر الثقة والانضباط الذهني والقتالية المنظمة يمكن أن يحول أي مباراة إلى مواجهة متكافئة، مهما كانت الفوارق النظرية بين المنتخبين.
نحن نعتقد , وحسب ما سنح لنا من متابعة البرامج الرياضية في الأيام الماضية بان على “الاتحاد العراقي لكرة القدم” أن لا يغفل على هذه النقطة المهمة والحيوية وأن يولي اهتماماً أكبر لطبيعة الخطاب الإعلامي الرياضي الذي يُقدَّم في بعض البرامج الحوارية، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تسبق الاستحقاقات الكبرى. فبعض الطروحات التحليلية، إذا ما انزلقت نحو المبالغة في التشاؤم أو ترسيخ الإحباط، قد تترك أثراً نفسياً سلبياً على الجمهور، بل وتمتد انعكاساتها بشكل غير مباشر إلى اللاعبين أنفسهم. وإن المطلوب ليس تقييد حرية الرأي أو الحد من التحليل الفني، بل تشجيع خطاب إعلامي أكثر توازناً وموضوعية، يقر بصعوبة المنافسة دون أن يلغي فكرة الأمل أو يقلل من قيمة الجهد المبذول. فالفارق كبير بين تحليل واقعي يشرح التحديات، وبين خطاب يرسّخ الانهزامية قبل بدء المنافسات. وكما يمكن للاتحاد، بالتعاون مع الجهات الإعلامية المعنية، أن يسهم في تعزيز ثقافة المنافسة الإيجابية، التي تركز على تطوير الأداء وبناء الثقة، بدلاً من تضخيم الفوارق أو تقديم صورة قاتمة عن فرص المنتخب. فمثل هذا التوازن في الخطاب الإعلامي ينعكس إيجاباً على الحالة المعنوية العامة، ويدعم اللاعبين في تقديم أفضل ما لديهم داخل المستطيل الأخضر ؟.
لقد قدم المنتخب العراقي مؤشرات إيجابية في مبارياته التحضيرية، وأظهر شخصية قوية أمام منافسين يمتلكون تاريخاً وخبرة كبيرة ـ التعادل مع المنتخب الأسباني المرشح الأقوى لنيل كأس العالم وحتى خسارته أمام المنتخب الفنزويلي ـ والأهم من ذلك أن كرة القدم كانت دائماً لعبة المفاجآت، ولم تكن يوماً علماً دقيقاً يمكن التنبؤ بنتائجه بشكل مطلق. فكم من منتخب مرشح بقوة سقط أمام خصم لم يمنحه المحللون أي فرصة، وكم من فريق فاجأ العالم بأداء ونتائج قلبت كل التوقعات رأساً على عقب ـ خسارة المنتخب التركي أمام أستراليا بهدفين لصفر وكذلك تعادلا المنتخب المغربي أمام البرازيل بهدف لكل منهما وتعادل منتخب قطر أمام سويسرا بنفس النتيجة ــ المشكلة ليست في التحليل الواقعي، بل في التحليل الذي يتحول إلى جلد للذات وإعلان مبكر للهزيمة. فوظيفة المحلل ليست أن يلعب دور “عراف النتائج” بل أن يقدم قراءة فنية متوازنة تعترف بصعوبة المهمة، دون أن تنزع من المنتخب حقه المشروع في الحلم والمنافسة.
إذا كانت منتخبات كبيرة عبر تاريخ كأس العالم قد تعرضت لمفاجآت غير متوقعة، فما الذي يمنع المنتخب العراقي من كتابة قصته الخاصة؟ وما الذي يمنع اللاعبين من تقديم مستويات تفوق كل التوقعات؟ صحيح إن احترام قوة المنافس أمر ضروري، لكن تضخيمها إلى درجة اعتبار المواجهة محسومة مسبقاً هو إساءة لمبدأ المنافسة الرياضية نفسه. وذلك على لاعبين المنتخب العراقي أن يدخل مبارياته أمام النرويج والسنغال وفرنسا بعقلية المقاتل لاخر نفس لا بعقلية الضحية والهزيمة، وأن يتجاهل كل أصوات هؤلاء ( المحللين) والإحباط والتشاؤم واليأس الذين يروجون له . ففي كرة القدم لا تُحتسب النقاط وفق تصنيفات المنتخبات أو آراء المحللين، بل وفق ما يقدمه اللاعبون على أرض الملعب. والتاريخ الرياضي يعلمنا أن المستحيل الذي يتحدث عنه البعض اليوم قد يتحول غداً إلى حقيقة يصفق لها العالم بأسره. ويبقى الأمل ليس وهماً كما يحاول البعض تصويره من هؤلاء ( المحللين)، بل هو جزء أساسي من روح الرياضة. ومن يفقد الأمل قبل بداية المنافسة يكون قد خسر المعركة حتى قبل أن تبدأ , صحيح أن احتمالية خسارة المباريات الثلاث تبقى واردة في عالم كرة القدم، وهذا أمر طبيعي في ظل قوة المنافسين وتفاوت الخبرات، إلا أن الأهم ليس فقط النتيجة النهائية، بل ما يقدمه لاعبو المنتخب داخل المستطيل الأخضر من روح قتالية، وانضباط تكتيكي، وإصرار حتى اللحظة الأخيرة. فمثل هذا الأداء قد يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار الكرة العراقية مستقبلاً، سواء في المشاركات الآسيوية أو البطولات العربية القادمة، ويضع اللبنة الأولى نحو تحقيق إنجازات أكبر يطمح إليها الجميع.
ولكن هناك نقطة مهمة جدآ وستكون مؤثرة جدا وأراها حتمية وجود ” أخصائي ومعالج نفسي مختص” وأتمني أن لا يكون قد أغفلها أداري بعثة المنتخب العراقي أو المسؤولين عليهم لان كثير من المنتخبات الغربية المحترفة تمتلك ضمن أجهزتها الفنية مختصين في علم النفس الرياضي، أو تستعين بهم بشكل دائم أو مؤقت خلال البطولات الكبرى ومن ضمنها منافسات كأس العالم , لان في كرة القدم الحديثة، أصبح الجانب النفسي لا يقل أهمية عن الجانب البدني أو التكتيكي. فكثير من المباريات تُحسم ذهنياً قبل أن تُحسم فنياً، خاصة عندما يواجه منتخب أقل شهرة أو حتى مغمور منافساً يملك تاريخاً وإنجازات كبيرة تشهد له الملاعب العالمية ــ على سبيل المثال مباراة اليوم الأحد 14 حزيران بين منتخب الماكينات الألمانية العريق بتاريخه الكروي أمام منتخب كوراساو المغمور ــ ولذا فإن دور الأخصائي النفسي الرياضي ضروري جدآ وجوده بين المنتخبات المغمورة والتي صعدت إلى كأس العالم 2026 لان نسبة المشاركة أصبحت أكبر حيث تضمن لأول مرة 48 منتخب ويشمل عمله بترسيخ سردية المنافسة في العقل الجمعي للاعبين ومنها:
- تعزيز الثقة بالنفس لدى اللاعبين.
- التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية.
- مساعدة اللاعبين على تجاوز الخوف من الفشل أو رهبة مواجهة المنتخبات الكبيرة.
- تحسين التركيز والانضباط الذهني أثناء المباريات.
- معالجة آثار الخسائر أو الأخطاء الفردية.
- بناء الروح الجماعية داخل الفريق.
لذا فإن كثرة الحديث الإعلامي عن “استحالة التأهل” أو “حسم النتيجة مسبقاً” سوف تؤثر سلباً على بعض اللاعبين، خصوصاً صغار السن أو قليلي الخبرة الدولية. وهنا يظهر دور الأخصائي النفسي في حماية اللاعبين من الضغوط الخارجية وإقناعهم بأن اسم المنافس لا يسجل أهدافاً، وأن المباراة تُحسم داخل الملعب لا في الاستوديوهات التحليلية من قبل هؤلاء ( المحللين) لذلك، عندما نرى منتخباً يقاتل بثقة أمام خصم أقوى منه على الورق، فغالباً لا يكون السبب بدنياً أو تكتيكياً فقط، بل لأن الجهاز الفني نجح أيضاً في إعداد اللاعبين ذهنياً ونفسياً للمواجهة. فحين يتلقى اللاعب العراقي او غيره من المنتخبات الضعيفة المشاركة في كأس العالم , يومياً رسائل إعلامية تؤكد أن فريقه “لا يملك أي فرصة” أو أن “الخروج محتوم” فإن ذلك يخلق ضغطاً نفسياً إضافياً. هنا يصبح دور الأخصائي النفسي حماية اللاعبين من هذه الضوضاء الإعلامية المزعجة وان يبقى منصب تركيزهم على الأداء داخل الملعب وفي الواقع، كثير من المفاجآت التاريخية في كرة القدم لم تكن نتيجة تفوق فني فقط، بل نتيجة تفوق ذهني أيضاً. الفريق الذي يدخل المباراة مقتنعاً بأنه قادر على المنافسة يكون أكثر خطورة من فريق يصدق مسبقاً رواية الهزيمة التي يروج لها الآخرون. ولذا عندما يكرر الإعلام والمحللون عبارات مثل : “المنتخب لا يملك أي فرصة” و “الفارق كبير جداً ” و “الخسارة متوقعة” و “المنافس حسم المباراة نظرياً ” فإن هذه الرسائل تتحول مع الوقت إلى ما يسمى في علم النفس بـ”النبوءة التي تحقق ذاتها” بمعنى اخر , أن اللاعب يسمعها باستمرار من التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي والجماهير، فيبدأ جزء من عقله بتصديقها، فتتراجع ثقته بنفسه ويصبح أكثر تردداً وخوفاً من ارتكاب الأخطاء داخل المستطيل الأخضر وفي المقابل، المنتخبات الكبرى تحاول دائماً بناء عقلية مختلفة. فحتى عندما تواجه خصماً أقوى منها أو تمر بظروف صعبة، يركز الجهاز الفني على فكرة “احترام المنافس، لكن لا تخشَه ” ولذا سيكون الفرق بين التحليل المهني والتحليل الهدّام هو أن الأول يقول: ” المهمة صعبة، لكن هناك فرص ونقاط قوة يمكن استثمارها” أما الثاني فيقول:” لا توجد أي فرصة، والنتيجة معروفة مسبقاً ” النوع الأول يساعد المنتخب على التطور والتحدي، أما النوع الثاني فينشر رايات الاستسلام قبل بدء المنافسة ؟.
وبالنظر إلى تاريخ كرة القدم، فإن أغلب المفاجآت الكبرى حدثت لأن اللاعبين أنفسهم لم يصدقوا الرواية السائدة حول استحالة فوزهم. لو اقتنعوا بكلام المحللين المتشائمين لما حدثت أي مفاجأة في تاريخ اللعبة ولذلك فإن أفضل عقلية لأي منتخب، ومنها المنتخب العراقي، هي ان تتمثل وتترسخ في عقلهم الجمعي ومن قبل الأخصائي النفسي في ترسيخ سردية : ” عدم المبالغة في الثقة بالنفس , وعدم الاستسلام للتشاؤم والتركيز على المباراة الواحدة والإيمان بأن التوقعات لا تسجل أهدافاً , والاهم اعتبار اسم المنافس مجرد اسم، بينما الحسم يكون داخل الملعب” فالمنتخب الذي يدخل المباراة وهو مقتنع بأنه مهزوم مسبقاً يكون قد خسر نصف المعركة، أما المنتخب الذي يدخل بإيمان وقدرة على المنافسة فقد يخسر أو يفوز، لكنه على الأقل يمنح نفسه فرصة حقيقية للنجاح. ولهذا السبب، يمكن لنا إن نوجه بدورنا نقد لاذع لهؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم (( المحللين المتشائمين )) ونقول لهم بأن دورهم :” ليس إعداد الجماهير واللاعبين للهزيمة النفسية، بل تقديم قراءة فنية متوازنة تعترف بصعوبة التحدي دون أن تقتل الأمل. فالأمل ليس عاطفة ساذجة في الرياضة، بل عنصر أساسي من عناصر الإنجاز والانتصار”.
لقد كسر المنتخب المغربي الكثير من الحواجز النفسية التي ظلت ترافق اللاعب العربي لعقود طويلة، وأثبت أن الفارق بينه وبين نجوم العالم ليس في الموهبة أو الإمكانات الفطرية، بل في الثقة بالنفس والانضباط والقدرة على التعامل مع الضغوط في أكبر المحافل الدولية. ومن هنا، فإن المطلوب من الاتحادات والأجهزة الفنية ألا تنظر إلى ذلك الإنجاز بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل أن تعمل على ترسيخه كجزء من الثقافة الرياضية العربية الحديثة. فالجانب النفسي لا يقل أهمية عن الجوانب الفنية والبدنية، بل قد يكون العامل الحاسم في المباريات الكبرى. ولهذا تبرز أهمية وجود مختصين في علم النفس الرياضي ضمن الأجهزة الفنية للمنتخبات العربية، تكون مهمتهم تعزيز الثقة بالنفس لدى اللاعبين، وتحريرهم من رهبة الأسماء الكبيرة والنجوم العالميين، وغرس قناعة راسخة بأن المنافسة في كرة القدم تُحسم داخل الملعب لا عبر القيمة السوقية للاعبين أو شهرتهم الإعلامية. يجب أن يؤمن اللاعب العربي بأنه يمتلك من الموهبة والقدرات ما يؤهله لمنافسة أفضل لاعبي العالم، بل والتفوق عليهم أحيانًا عندما يقترن ذلك بالعمل الجاد والإصرار والانضباط التكتيكي. فالملاعب العالمية لا تعترف بالأسماء وحدها، وإنما تعترف بمن يقدم الأداء الأفضل ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة. ولان ترسيخ هذه القناعة في العقل الجمعي للاعب العربي هو الخطوة الأولى نحو بناء أجيال قادرة على تحويل الإنجازات الفردية والاستثنائية إلى قاعدة ثابتة، وجعل الحضور العربي في كأس العالم حضورًا تنافسيًا دائمًا، لا يكتفي بالمشاركة، بل يسعى باستمرار إلى صناعة التاريخ وفرض مكانته بين كبار كرة القدم العالمية.واليوم يبرز لنا من بينهم لاعب ليل الفرنسي النجم الشاب أيوب بوعدي، الذي خطف الأنظار بأدائه المميز رغم صغر سنه “18 عامآ ” حيث نال إشادات واسعة من المحللين والخبراء بعد مشاركته المؤثرة وثقة الجهاز الفني به طوال دقائق المباراة التي خاضها المنتخب المغربي أمام البرازيل يوم أمس وانتهت بالتعادل هدف لكل منهما ؟.
ولا يقتصر هذا الطموح على المنتخب العراقي وحده، بل ينطبق أيضاً على المشاركة التاريخية الأولى للمنتخب الأردني في كأس العالم لكرة القدم، حيث يواجه هو الآخر مجموعة قوية ” الجزائر و النمسا والأرجنتين ” لا تقل صعوبة من حيث المنافسة والإمكانات الفنية للمنتخبات المشاركة. وإن دخول المنتخب الأردني غمار هذه التجربة العالمية للمرة الأولى يمثل محطة مفصلية في تاريخه الكروي، وفرصة لا تُقدّر بثمن لاكتساب الخبرة والاحتكاك بأعلى مستويات كرة القدم الدولية. فحتى في ظل صعوبة المجموعة، فإن القيمة الحقيقية للمشاركة لا تُقاس فقط بعدد الانتصارات أو نقاط التأهل، بل بما يُقدّمه اللاعبون من أداء منظم، وروح قتالية، وقدرة على الصمود أمام مدارس كروية مختلفة.وكما هو الحال مع أي منتخب عربي يشارك في كأس العالم، فإن هذه البطولة تمثل منصة عالمية لإبراز المواهب الفردية أمام أعين الكشافين والمدربين من مختلف الأندية الأوروبية. وقد تكون مباراة واحدة ناجحة كفيلة بتغيير مسار لاعب بالكامل، وفتح له أبواب الاحتراف في دوريات كبرى، إذا ما اقترنت بالجاهزية الذهنية والبدنية العالية. وبذلك، فإن التجربتين العراقية والأردنية تلتقيان في فكرة واحدة جوهرية: ” أن المشاركة في كأس العالم ليست مجرد حضور شرفي، بل فرصة استراتيجية لصناعة مستقبل كروي مختلف، وبناء جيل قادر على تحويل هذه الخبرة إلى إنجازات قارية ودولية في السنوات القادمة و المنافسات الأسيوية والعربية” .
اما فيما يتعلق بحظوظ المنتخبات العربية في التأهل إلى الدور الثاني، فإن الترشيحات الفنية والمنطقية تميل إلى المنتخبين المصري والمغربي بوصفهما الأقرب نسبياً من حيث الخبرة والاستقرار الفني ومستوى اللاعبين المحترفين في الدوريات الأوروبية. ومع ذلك، فإن كرة القدم لا تخضع دائماً للحسابات النظرية، وأي إخفاق محتمل في تحقيق نتائج إيجابية لا يمكن تفسيره بشكل أحادي أو اختزاله في جانب واحد، بل يتطلب قراءة شاملة لكافة العوامل الفنية والإدارية والذهنية المحيطة بالمنتخبات. وفي حال عدم تحقق نتائج مرضية، فإن من الضروري التعامل مع الأمر بروح تقييمية موضوعية تهدف إلى معالجة مكامن الخلل وتطوير المنظومة ككل، بدلاً من الانزلاق نحو ردود أفعال انفعالية أو أحكام قاسية لا تخدم مستقبل الكرة العربية. فالمطلوب دائماً هو الإصلاح والتطوير، وليس البحث عن تحميل المسؤوليات بشكل يُضعف المنظومة بدل أن يقويها. وفي المقابل، حتى في حالات عدم التأهل، فإن الأداء المتميز والمشرف داخل المستطيل الأخضر يظل عاملاً إيجابياً بالغ الأهمية، سواء على مستوى السمعة الكروية للمنتخبات العربية أو على مستوى ثقة اللاعبين بأنفسهم، إضافة إلى انعكاسه على نظرة الرأي العام والمتابعين. فالأداء القوي، حتى في ظل الخسارة، قد يكون بداية لمسار تصاعدي مهم، ويمنح اللاعبين فرصة أكبر للاحتراف والتطور، ويعزز من حضور الكرة العربية على الساحة الدولية، وهو الهدف الأسمى الذي يتجاوز حدود النتائج الآنية إلى بناء مستقبل أكثر استقراراً وتنافسية.
وفي الختام يجب ان يعي لاعب المنتخب العراقي شيئ مهم قد يكون أغفل عنه ؟ لان المشاركة في بطولة بحجم كأس العالم لكرة القدم لا تقتصر على كونها محطة تنافسية فحسب، بل تُعد أيضاً منصة عالمية لعرض المواهب الفردية. فالأداء المميز في هذه البطولة يفتح أبواب الاحتراف في أعرق الأندية الأوروبية، حيث تكون أعين الكشافين والمدربين مركزة بدقة على كل لاعب قادر على تقديم إضافة فنية عالية تحت الضغط , ومن هنا، فإن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى لاعبي المنتخب العراقي هي ضرورة استثمار هذه الفرصة العالمية لإظهار أقصى ما لديهم من إمكانيات فنية وبدنية وتكتيكية. فكل دقيقة داخل الملعب في هذه البطولة قد تكون بمثابة إعلان رسمي عن موهبة قادرة على دخول عالم الاحتراف الأوروبي، إذا ما اقترنت بالأداء القوي والانضباط والروح العالية.
إن كأس العالم ليس مجرد بطولة، بل هو سوق عالمي مفتوح للمواهب، ومن ينجح في إثبات نفسه تحت الأضواء سيكون له مستقبل مختلف تماماً. لذلك، فإننا كجمهور عراقي نأمل أن يظهر لاعبونا بأفضل صورة ممكنة، وأن يقدموا أداءً مشرفاً يعكس قيمة الكرة العراقية، ويمنحهم فرصة حقيقية لفتح أبواب الاحتراف في كبرى الدوريات الأوروبية ، وهو الهدف الذي نتمناه جميعاً في هذه الرحلة العالمية ؟.
(1) خسرت البرازيل أمام ألمانيا في واحدة من أشهر مباريات التاريخ في وكانت المباراة يوم 8 حزيران 2014 في مدينة بيلو هوريزونتي خلال نصف النهائي، وانتهت بنتيجة صادمة وفاجعة لم يتوقعها اعتي المحللين في ذلك الوقت : ألمانيا 7 – 1 البرازيل وشهدت المباراة انهياراً غير متوقع للمنتخب البرازيلي، المعروف بـBrazil national football team، أمام أداء تاريخي للمنتخب الألماني، Germany national football team، حيث سجّل الألمان 5 أهداف خلال أول 30 دقيقة فقط. حيث ما تزال تُعد في ذاكرتنا وبقية الرأي العام في هذه المباراة من أكبر المفاجآت والصدمات في تاريخ كأس العالم، وغالباً ما يُشار إليها باسم “Mineirazo” نسبة إلى ملعب المباراة.
وكذلك ما قد حققه بتاريخ 16 حزيران 1982 المنتخب الجزائري فوزاً تاريخياً على المنتخب الألماني بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في واحدة من أبرز مبارياته في كأس العالم التي أُقيمت في إسبانيا ، وكان قريباً من تحقيق إنجاز التأهل إلى الدور الثاني، لولا بعض الظروف التي أحاطت بالمباراة في حينها، والتي أثرت على مسار المنافسة. ورغم هذا الفوز التاريخي، فإن الجزائر لم تتأهل إلى الدور الثاني بسبب ما عُرف آنذاك بـ“مباراة العار” بين ألمانيا والنمسا، وهي مباراة أثارت جدلاً واسعاً في تاريخ كأس العالم.