بقلم: الأستاذ حسين شكران العقيلي
١٦ اذار ٢٠٢٦
في الميزان التاريخي للصراعات، غالباً ما تميل الكفة لمن يمتلك فائض القوة المادية، لكن القواعد الفوقية للتاريخ تكتنز استثناءات مذهلة تكسر حدة المنطق التقليدي. ولعل الحالة الشيعية، عبر امتدادها الزمني والجغرافي، تمثل أحد أكثر تلك الاستثناءات استعصاءً على الفهم والاحتواء، فالمعادلة هنا لا تقوم على مجرد (البقاء) بل على قدرة عجيبة في تحويل (فعل المحاربة) الموجه ضدها إلى (حالة حيرة) تضرب وعي المحارب واستراتيجياته، حتى يرتد السهم إلى نحره تخبطاً وضياعاً.
إن هذا الصمود الذي نصفه بـ (اللغز) ليس نتاج صدفة، بل هو ثمرة “هوية جرح” لم تلتئم إلا بالثبات؛ فالمذهب الشيعي في جوهره قام على فكرة “الشهادة الشاهدة” والانتصار للمظلوم مهما بلغت سطوة الظالم. التاريخ يخبرنا أن كل محاولة لاجتثاث هذا المكون كانت تنتهي بولادة جديدة أكثر صلابة. فمنذ واقعة الطف التي أراد لها الحكم الأموي أن تكون نقطة النهاية، تحولت بفعل التراكم الروحي إلى مركزية كونية تمد الأجيال بطاقة التحدي؛ إذ لم يكن الحسين (عليه السلام) في الوجدان الشيعي مجرد ثائر قُتل، بل صار (منهجاً”) عابراً للعصور.
وحين حاول العباسيون لاحقاً، وتحديداً في عهد المتوكل، طمس معالم هذا الوجود عبر هدم قبر سيد الشهداء وحرث أرضه ومنع الزيارات تحت طائلة قطع الأيدي والقتل، كانت النتيجة صدمة تاريخية للمحارب؛ إذ تحول المنع إلى محرك وجداني أعمق، وصارت المسيرة نحو كربلاء طقساً عقائدياً لا تثنيه السيوف، حتى بات الجلاد يتساءل بحيرة: أي نوع من البشر هؤلاء الذين يشترون الموت بالمال والأنفس ليصلوا إلى ضريح الأمام؟
ولم تكن قرون التهميش العثماني بأقل قسوة، حيث واجه المذهب محاولات عزل وتغييب سياسي واقتصادي، لكن “الحيرة” كانت تضرب الخصوم دائماً عند رؤية المؤسسة الدينية الشيعية (المرجعية) وهي تمارس دورها القيادي دون سلطة جيش أو مال دولة، بل بسلطة “التقليد” والمودة والارتباط الروحي. وتجسد هذا بوضوح في “ثورة العشرين” بالعراق، حين وقف أبناء هذا المذهب بأسلحتهم البسيطة وقيمهم العشائرية الراسخة ليواجهوا أعتى إمبراطورية في وقتها (بريطانيا)، مدفوعين بفتوى دينية هزت عروش المحتلين الذين “حاروا” في كيفية السيطرة على شعب يرى في التبعية للأجنبي خروجاً عن الملة.
إن سر الحيرة التي تصيب الخصوم تكمن في عجزهم عن قراءة “المحرك الغيبي” والتنظيم الاجتماعي العفوي للمذهب. فالمحارب التقليدي يحلل القوة بناءً على معطيات السلاح، لكنه يصطدم بجدار صلب من (التكافل الاجتماعي) الذي يتجلى في أبهى صوره خلال زيارة الأربعين؛ هذا التجمع المليوني الذي لا تديره دول بل تديره “الخدمة الحسينية”، مما يجعل المراقب الغربي والشرقي يقف مبهوتاً أمام هذه القدرة التنظيمية الهائلة التي تتجاوز حدود العقل الاستراتيجي.
وفي العصر الحديث، تجسدت هذه (الحيرة) في مواجهة قوى الإرهاب والظلام (داعش) التي استهدفت الوجود الشيعي في العراق بالسيارات المفخخة والقتل على الهوية؛ فبينما كان العالم يتوقع انهياراً كاملاً للمجتمع، خرجت (فتوى الدفاع الكفائي) لتقلب الموازين في ساعات، محولةً الانكسار المتوقع إلى ملحمة وطنية كبرى، أعادت رسم خارطة القوة في المنطقة، وتركت الأعداء يتخبطون في هزيمتهم، متسائلين عن سر تلك الهبة التي لا تقيدها حسابات الربح والخسارة.
ختاماً، إن الصمود الشيعي ليس مجرد رد فعل سياسي، بل هو فعل “وجودي” نابع من إيمان بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الظلم مهما امتلك من أدوات المحاربة يظل عاجزاً أمام (الحقيقة) التي تفرض نفسها. ومن هنا، يظل العنوان الذي يختصر الحكاية: (من حاربكم حارَ بكم) لأن الحيرة هي الثمن الطبيعي لكل من يحاول كسر إرادة شعب استمد بقاءه من تضحيات أئمته عليهم السلام الذين علموه أن الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين.
لغز الصمود ( قراءة في فلسفة من حاربكم حارَ بكم)