#عفاف_فيصل_صالح
ليست الهجرة النبوية حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل هي أمر إلهيٌّ غيّر مسار البشرية، وانتقل بالإنسان من ضيق الظلمات إلى سعة النور، ومن حصار الباطل إلى رحابة الحق، ومن مرحلة الاستضعاف إلى تأسيس أمة تحمل رسالة السماء إلى الأرض.
كانت مكة يومئذٍ تضيق بالحق كما يضيق الليل الطويل بالفجر، تتكاثر فيها السخرية والأذى والحصار، حتى بدا وكأن الباطل قد أحكم قبضته. لكن الحق لا يُهزم، بل يُمهَّد له الطريق حين تشتد العواصف.
ثم جاء أمر الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾
فكانت الهجرة انتقالًا عظيمًا، لا هروبًا ولا انسحابًا، بل تحولًا تاريخيًا أخرج الدعوة من الحصار إلى الانطلاق، ومن الألم إلى البناء، ومن الفرد إلى الأمة.
وفي مشهدٍ يهتز له الوجدان، قدّم الإمام علي عليه السلام أروع صور الفداء، حين بات في فراش النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم مضحيًا بنفسه، تجسيدًا لقوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ﴾
ثم جاءت المدينة لتكون أرض البناء، وظهر الأنصار الذين تجسدت فيهم أسمى معاني الإيمان:
﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
فصنعوا نموذجًا فريدًا للأمة التي تبنى بالإيثار لا بالمصالح.
وتبقى سنن الله ثابتة لا تتغير:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾
فالحق مهما حورب لا ينطفئ، بل يزداد إشراقًا، والباطل مهما علا فإن نهايته الزوال.
كما أن الهجرة تكشف سنة عظيمة: سنة الاستبدال، حين يُعرض قوم عن الحق فيُبدَّلون بغيرهم أكثر إيمانًا وثباتًا، لتبقى الرسالة ماضية لا تتوقف على أحد.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
الهجرة ليست ذكرى تُروى، بل منهج حياة، ودعوة إلى العودة للأصل: القرآن الكريم، والتمسك بالحق، وصناعة القوة بالإيمان والتضحية والوعي.
فمن فهم الهجرة… فهم معنى النهوض
ومن سلك طريقها… وصل إلى العزة
ومن تمسك بروحها… لا يُهزم أبدًا.
عام هجري مجيد
وكل عام وأنتم بخير
سائلين الله تعالى أن يجعله على أُمتنا عام الخير والبركات والأمن والإيمان ، والسلامة والإسلام ، والنصر والعزة والتمكين والفتح المبين بقيادة السيد المولى علم الهدى عبدالملك بدر الدين الحوثي سلام الله عليه والنصر العظيم بإذن رب العالمين…
وأقول لشعبنا العزيز يا يمن الإيمان، ويا أحفاد الأنصار، دوركم ومشروعكم مرتبط بالإسلام، في تجسيد قيمه وحمل رايته والجهاد في سبيل الله، صِلوا الحاضر بالماضي العظيم والمشرف ولا تبتغوا عنه بدلا…