الأمن والخوف والاستنباط في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله عز من قائل عن الخوف “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا” (النساء 83) قوله تعالى: “وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ” (النساء 83) الإذاعة هي النشر والإشاعة، وفي الآية نوع ذم وتعيير لهم في شأن هذه الإذاعة، وفي قوله في ذيل الآية “وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ” (إلخ) دلالة على أن المؤمنين كانوا على خطر الضلال من جهة هذه الإذاعة، وليس إلا خطر مخالفة الرسول فإن الكلام في هذه الآيات موضوع في ذلك، ويؤيد ذلك ما في الآية التالية من أمر الرسول بالقتال ولو بقي وحده بلا ناصر. ويظهر به أن الأمر الذي جاءهم من الأمن أو الخوف كان بعض الأراجيف التي كانت تأتي بها أيدي الكفار ورسلهم المبعوثون لإيجاد النفاق والخلاف بين المؤمنين فكان الضعفاء من المؤمنين يذيعونه من غير تدبر وتبصر فيوجب ذلك وهنا في عزيمة المؤمنين، غير أن الله سبحانه وقاهم من اتباع هؤلاء الشياطين الجائين بتلك الأخبار لإخزاء المؤمنين. فتنطبق الآية على قصة بدر الصغرى، وقد تقدم الكلام فيها في سورة آل عمران، والآيات هاهنا تشابه الآيات هناك مضمونا كما يظهر للمتدبر فيها، قال تعالى في سورة آل عمران: “الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” إلى قوله ـ “إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” (آل عمران 175). الآيات كما ترى تذكر أن رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله كان يدعو الناس بعد ما أصابهم القرح ـ وهو محنة ـ أحد ـ إلى الخروج إلى الكفار، وأن أناسا كانوا يخزلون الناس ويخذلونهم عن النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ويخوفونهم جمع المشركين. ثم تذكر أن ذلك كله تخويفات من الشيطان يتكلم بها من أفواه أوليائه، وتعزم على المؤمنين أن لا يخافوهم ويخافوا الله أن كانوا مؤمنين. والمتدبر فيها وفي الآيات المبحوث عنها أعني قوله “وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ” (الآية) لا يرتاب في أن الله سبحانه في هذه الآية يذكر قصة بدر الصغرى ويعدها في جملة ما يعد من الخلال التي يلوم هؤلاء الضعفاء عليها كقوله “فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ” (الآية) وقوله ” وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ” (الآية) وقوله “وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ” (الآية) وقوله “وَيَقُولُونَ طاعَةٌ” (الآية) ثم يجري على هذا المجرى قوله ” وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ” (الآية).

ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي قائلا: قوله تعالى: “وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ” (النساء 83) لم يذكر هاهنا الرد إلى الله كما ذكر في قوله “فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ”: الآية (النساء 59) لأن الرد المذكور هناك هو رد الحكم الشرعي المتنازع فيه، ولا صنع فيه لغير الله ورسوله. وأما الرد المذكور هاهنا فهو رد الخبر الشائع بين الناس من أمن أو خوف، ولا معنى لرده إلى الله وكتابه، بل الصنع فيه للرسول ولأولي الأمر منهم، لو رد إليهم أمكنهم أن يستنبطوه ويذكروا للرادين صحته أو سقمه وصدقه أو كذبه. فالمراد بالعلم التمييز تمييز الحق من الباطل، والصدق من الكذب على حد قوله تعالى “لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ”: (المائدة 94) وقوله “وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ”: (العنكبوت 11). والاستنباط استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة، وأصله من النبط (محركة)، وهو أول ما يخرج من ماء البئر، وعلى هذا يمكن أن يكون الاستنباط وصفا للرسول وأولي الأمر بمعنى أنهم يحققون الأمر فيحصلون على الحق والصدق وأن يكون وصفا لهؤلاء الرادين لو ردوا فإنهم يعلمون حق الأمر وصدقه بإنباء الرسول وأولي الأمر لهم. فيعود معنى الآية إن كان المراد بالذين يستنبطونه منهم الرسول وأولي الأمر كما هو الظاهر من الآية: لعلمه من أراد الاستنباط من الرسول وأولي الأمر أي إذا استصوبه المسئولون ورأوه موافقا للصلاح، وإن كان المراد بهم الرادين: لعلمه الذين يستفسرونه ويبالغون في الحصول على أصل الخبر من هؤلاء الرادين.، قوله سبحانه “وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” (الانعام 81). قوله عز وجل “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا” (النور 55). قوله عز شأنه “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النحل 112). قوله جل اسمه “إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” ﴿آل عمران 175﴾.

وأما أولوا الأمر في قوله: “وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ” (النساء 83) فالمراد بهم هو المراد بأولي الأمر في قوله ” أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ”: (النساء 59) على ما تقدم من اختلاف المفسرين في تفسيره وقد تقدم أن أصول الأقوال في ذلك ترجع إلى خمسة غير أن الذي استفدناه من المعنى أظهر في هذه الآية. أما القول بأن أولي الأمر هم أمراء السرايا فإن هؤلاء لم يكن لهم شأن إلا الإمارة على سرية في واقعة خاصة لا تتجاوزها خبرتهم ودائرة عملهم، وأما أمثال ما هو مورد الآية وهو الإخلال في الأمن وإيجاد الخوف والوحشة العامة التي كان يتوسل إليها المشركون ببعث العيون وإرسال الرسل السرية الذين يذيعون من الأخبار ما يخزلون به المؤمنين فلا شأن لأمراء السرايا في ذلك حتى يمكنهم أن يبينوا وجه الحق فيه للناس إذا سألوهم عن أمثال تلك الأخبار. وأما القول بأن أولي الأمر هم العلماء فعدم مناسبته للآية أظهر، إذ العلماء وهم يومئذ المحدثون والفقهاء والقراء والمتكلمون في أصول الدين ـ إنما خبرتهم في الفقه والحديث ونحو ذلك، ومورد قوله “وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ” (النساء 83)، هي الأخبار التي لها أعراق سياسية ترتبط بأطراف شتى ربما أفضى قبولها أو ردها أو الإهمال فيها من المفاسد الحيوية والمضار الاجتماعية إلى ما يمكن أن لا يستصلح بأي مصلح آخر، أو يبطل مساعي أمة في طريق سعادتها، أو يذهب بسؤددهم ويضرب بالذل والمسكنة والقتل والأسر عليهم، وأي خبرة للعلماء من حيث إنهم محدثون أو فقهاء أو قراء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر الله سبحانه بإرجاعها وردها إليهم؟ وأي رجاء في حل أمثال هذه المشكلات بأيديهم؟ وأما القول بأن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فمع كونه لا دليل عليه من كتاب أو سنة قطعية، يرد عليه أن حكم الآية إما مختص بزمان النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله أو عام يشمله وما بعده، وعلى الأول كان من اللازم أن يكونوا معروفين بهذا الشأن بما أنهم هؤلاء الأربعة من بين الناس ومن بين الصحابة خاصة، والحديث والتاريخ لا يضبطان لهم بخصوصهم شأنا من هذا القبيل، وعلى الثاني كان لازمه انقطاع حكم الآية بانقطاع زمان حياتهم، وكان لازمه أن تتصدى الآية لبيان ذلك كما في جميع الأحكام الخاصة بشطر من الزمان المذكورة في القرآن كالأحكام الخاصة بالنبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ولا أثر في الآية من ذلك. وأما القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد، وهذا القائل لما رأى أنه لم يكن في عهد النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله جماعة مشخصة هم أهل الحل والعقد على حد ما يوجد بين الأمم المتمدنة ذوات المجتمعات المتشكلة كهيئة الوزراء، وجمعية المبعوثين إلى المنتدى وغير ذلك فإن الأمة لم يكن يجري فيها إلا حكم الله ورسوله، اضطر إلى تفسيره بأهل الشورى من الصحابة وخاصة النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله منهم. وكيف كان، يرد عليه أن النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله كان يجمع في مشاورته المؤمنين والمنافقين كعبد الله بن أبي وأصحابه، وحديث مشاورته يوم أحد معروف، وكيف يمكن أن يأمر الله سبحانه بالرد إلى أمثاله.

على أن ممن لا كلام في كونه ذا هذا الشأن عند النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وبعده عبد الرحمن بن عوف، وهذه الآيات المسرودة في ذم ضعفاء المؤمنين وتعييرهم على ما وقع منهم إنما ابتدأت به وبأصحابه أعني قوله ” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا ” ( الآيات ) فقد ورد في الصحيح أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له، رواه النسائي في صحيحة ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ورواه الطبري وغيره في تفاسيرهم، وقد مرت الرواية في البحث الروائي السابق. وإذا كان الأمر على هذه الوتيرة فكيف يمكن أن يؤمر في الآية بإرجاع الأمر ورده إلى مثل هؤلاء؟. فالمتعين هو الذي رجحناه في قوله تعالى ” َطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” (الآية). قوله تعالى: “وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً” (النساء 83) قد تقدم أن الأظهر كون الآيات مشيرة إلى قصة بدر الصغرى، وبعث أبي سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة لبسط الخوف والوحشة بين الناس وإخزائهم في الخروج إلى بدر فالمراد باتباع الشيطان التصديق بما جاء به من النبإ، واتباعه في التخلف عن الخروج إلى بدر. وبذلك يظهر استقامة معنى الاستثناء من غير حاجة إلى تكلف أو تمحل فإن نعيما كان يخبرهم أن أبا سفيان جمع الجموع وجهز الجيوش فاخشوهم ولا تلقوا بأنفسكم إلى حياض القتل الذريع، وقد أثر ذلك في قلوب الناس فتعللوا عن الخروج إلى موعدهم ببدر، ولم يسلم من ذلك إلا النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وبعض خاصته وهو المراد بقوله تعالى “إِلَّا قَلِيلاً”، فقد كان الناس تزلزلوا إلا القليل منهم ثم لحقوا بذلك القليل وساروا. وهذا الذي استظهرناه من معنى الاستثناء هو الذي يؤيده ما مر ذكره من القرائن، على ما فيه من الاستقامة. وللمفسرين في أمر هذا الاستثناء مذاهب شتى لا يخلو شيء منها من فساد أو تكلف، فقد قيل: المراد بالفضل والرحمة ما هداهم الله إليه من إيجاب طاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم، والمراد بالمستثنى هم المؤمنون أولو الفطرة السليمة والقلوب الطاهرة، ومعنى الآية: ولو لا هذا الذي هداكم الله إليه من وجوب الطاعة، وإرجاع الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر لاتبعتم الشيطان جميعا بالوقوع في الضلال إلا قليلا منكم من أهل الفطرة السليمة فإنهم لا يزيغون عن الحق والصلاح. وفيه أنه تخصيص الفضل والرحمة بحكم خاص من غير دليل يدل عليه، وهو بعيد من البيان القرآني، مع أن ظاهر الآية أنه امتنان في أمر ماض منقض. وقيل، إن الآية على ظاهرها، والمؤمنون غير المخلصين يحتاجون إلى فضل ورحمة زائدين وإن كان المخلصون أيضا لا يستغنون عن العناية الإلهية، وفيه أن الذي يوهمه الظاهر حينئذ مما يجب في بلاغة القرآن دفعه ولم يدفع في الآية. وقد قال تعالى: “وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً”: (النور 21) وقال مخاطبا لنبيه صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وهو خير الناس “وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ” (الإسراء 75). وقيل: إن المراد بالفضل والرحمة القرآن والنبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله. وقيل: المراد بهما الفتح والظفر، فيستقيم الاستثناء لأن الأكثرين إنما يثبتون على الحق بما يستطاب به قلوبهم من فتح وظفر وما أشبههما من العنايات الظاهرية الإلهية، ولا يصبر على مر الحق إلا القليل من المؤمنين الذين هم على بصيرة من أمرهم. وقيل الاستثناء إنما هو من قوله ” َذاعُوا بِهِ”، وقيلالاستثناء من قوله “الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ” (النساء 83). وقيل: إن الاستثناء إنما هو في اللفظ وهو دليل على الجمع والإحاطة فمعنى الآية: ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعا، وهذا نظير قوله تعالى ” سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللهُ” (الأعلى 7) فاستثناء المشية يفيد عموم الحكم بنفي النسيان، وجميع هذه الوجوه لا تخلو من تكلف ظاهر.

أن الله جل جلاله قد جمع في الآية بين الرسول وأولي الأمر وذكر لهما طاعة وإذن فقال: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ولا يجوز على الرسول أن يأمر بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شيء من ذلك على أولي الأمر لم يسع إلا أن يذكر القيد الوارد عليهم، فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أي قيد ولازمه اعتبار العصمة في جانب أول الأمر كما اعتبر في جانب الرسول صلى الله عليه وآله من غير فرق ثم أن أولي الأمر اسم جمع يدل على كثرة جمعيه في المسلمين ولكن اللبس بولاية الأمر وافتراض الطاعة لواحد منهم بعد الواحد فينسب افتراض الطاعة إلى جميعهم تحسب اللفظ والأخذ بجامع المعنى كقولنا صل فرائضك وأطع سادتك وكبراء قومك. فالمراد بأولي الأمر في الآية رجالٌ من الأمة حكم الواحد منهم في العصمة وافتراض حكم الرسول صلى الله عليه وآله.