عيد رأس السنة الإيزيدية، “الأربعاء الأول من نيسان “

تعتبر الإيزيدية جماعة دينية وإثنية عريقة الجذور، وهي ديانة توحيدية غير تبشيرية تقوم على منظومة روحانية متميزة. يؤمن الإيزيديون بوجود إله واحد خالق للكون يدعى (خودئ) وله 3003 أسماءٍ وصفات ،ويجلون الملائكة السبعة النورانيين بوصفهم من يدبرون شؤون الكون وينظمونها بأمر الخالق.

تتميز الإيزيدية بعاداتها وتقاليدها الفريدة التي تتوارثها الأجيال، مما يجعلها من الديانات الغنية بالتراث والثقافة التي تدل على تاريخها الممتد عبر آلاف السنين. يعود الاحتفال بعيد رأس السنة الإيزيدية إلى تقاليد عريقة ترتبط بمفهوم الخلق وتجدد الحياة. وفقاً للنصوص الدينية الإيزيدية، بدأ استقرار الأرض ونشوء الحياة عندما نزل “لالش النوراني” عليها، مما جعل هذا اليوم رمزاً مقدساً. كلمة “نيسان” ذاتها مشتقة من “نيشان” التي تعني رمز، أو ولادة جديدة، وكلمة الأربعاء (جارشم) مشتقة من “جار” التي تعني أربعة و”شم” التي تعني اليوم، والمقصود برقم أربعة هم الملائكة الأربعة التي نزلت على الأرض، وكان كل ملاك مسؤولاً عن أحد العناصر الأربعة: التراب، الهواء، الماء، والنار.

يحتفل الإيزيديون بعيد رأس السنة الإيزيدية (سرصال)، المعروف أيضاً بـ”عيد الخليقة”، في أول أربعاء من شهر نيسان كل عام. في هذا العام يصادف هذا 15.04.2026 وفقاً للتقويم الشرقي المعتمد لدى المجلس الروحاني الإيزيدي، بينما يوافق 8 أبريل وفقاً لتقويم الإيزيدي المعتمد لدى فقراء جبل شنكال.

هذا العيد يحمل معاني روحية عميقة بالنسبة للإيزيديين، إذ يرمز إلى النور والتجدد والانبعاث. إنه فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية والأسرية، حيث يجتمع الناس للاحتفال وتبادل التهاني، متمنين لبعضهم سنة مليئة بالخير والبركة.
تبدأ العائلات الإيزيدية تحضيراتها مساء الثلاثاء، حيث تلون البيض بألوان زاهية ترمز إلى الكرة الأرضية وتنوع الطبيعة في نيسان. كما يتم إعداد عجينة مميزة تسمى “ساوك”، توزع على الجيران في أجواء من التآلف والمحبة. إضافةً إلى ذلك، تقطف باقات “وردة نيسان” القريبة من شقائق النعمان الحمراء، وتغلق بأوراق نبتة اللوف ، التي يطلق عليها في هذا اليوم اسم (بناف) أي “بلا اسم”. يتجنبون نطق اسم هذه النبتة احتراماً لهذا اليوم المقدس ، لأنها نبتة شديدة المرارة.
تثبت هذه الباقات مع خليط من التراب وقشور البيض فوق أبواب المنازل احتفاءً بالربيع وبداية السنة الجديدة، مما يعبّر عن ارتباط الإيزيديين بالطبيعة وتجدد الحياة.

فتائل معبد لالش بعدد أيام السنة :
في مساء يوم الثلاثاء ومع غروب الشمس، يجتمع المجلس الروحاني وجمع غفير من الإيزيديين والخلمتكارين (خادمي معبد لالش). يطلب بابا شيخ من بابا جاويش إضاءة القناديل (الفتائل) في ساحة “سوق المعرفة” بعدد أيام السنة (366 قنديلاً)، إيذاناً ببدء السنة الجديدة.

Surek jê Sûrê batine 366 Alim tê dikin xwendinê.. Lê ser sekinîye Siltan Ezi :
Nûra Baqî yekê bi tenê…

الترجمة : سر من أسرار الباطنية حوله ٣٦٦ عالم يقرأون على رأسهم سلتان إيزي نور الخالق وأحد الأحد .

رغم أن البعض يطلق على هذه المناسبة أسم “الأربعاء الأحمر”، إلا أن هذه التسمية لها خلفيات سياسية، كما يوضح الباحث الإيزيدي سالم الرشيداني (في الإيزيدية، قدسية الأربعاء تعني يوم رحمة يُخصص لعبادة الخالق، بينما “الأربعاء الأحمر” كانت ذكرى لإبادة الإيزيديين، حيث أُبيحت فيها دماء الأبرياء من قبل أعدائهم مستغلين احترام الإيزيديين لقدسية الأربعاء) .

كذبة نيسان والتقويم الغربي والتقويم الشرقي

قد لا يعرف الكثير من الناس الذين يمارسون عادة كذبة نيسان السبب الحقيقي وراء هذه العادة، إذ لا توجد دلائل مؤكدة عن أصلها. ومع ذلك، تشير بعض الآراء إلى أن هذه العادة قد نشأت عندما استمرت العديد من المدن الأوروبية في الاحتفال ببداية العام في الأول من أبريل. بدأت هذه الفكرة في فرنسا بعد اعتماد التقويم المعدل الذي وضعه شارل التاسع عام 1564م، وكانت فرنسا أول دولة تطبق هذا التقويم. قبل ذلك، كان الاحتفال بعيد رأس السنة يبدأ في يوم 21 مارس وينتهي في الأول من أبريل، حيث يتبادل الناس الهدايا بمناسبة السنة الجديدة.

ومع ذلك، تشير الحقائق التاريخية إلى أن الشعوب القديمة في الحضارات والإمبراطوريات المختلفة كانت تحتفل بيوم الاعتدال الربيعي، وتمتد هذه الاحتفالات حتى الأول من نيسان. وقد أُطلق على هذه المناسبة أسماء متنوعة مثل:
عيد دوموزي، عيد أكيتو، عيد زاكموك، وعيد شمو أو شم النسيم عند المصريين القدماء (2700 قبل الميلاد)، بالإضافة إلى عيد الفصح أو القيامة عند المسيحيين، وعيد الأم، أم الزلف، وغيرها من الأسماء التي تشير جميعها إلى مناسبة واحدة.

ويشير المؤرخون إلى أن هذا العيد انتشر باسم “نيروز” بعد احتلال العراق من قبل الأخمينيين الفرس سنة 539 ق.م.
ووفقاً للمؤرخ الدكتور عامر حنا فتوحي في كتابه “الكلدان منذ بدء الزمان” فإن أول تقويم بشري ظهر في وادي الرافدين، ووضعه الكلدانيون أو الفراتيون الأوائل، حيث بدأ في (الأول من نيسان عام 5300 ق.م)، وكان يمثل بداية تأسيس أول دولة في العالم، وهي مملكة أريدو.

أما بالنسبة للتقويم الروماني، فقد تأسس في عام 735 قبل الميلاد. وحتى سنة 304 ق.م، كانت السنة الرومانية تتكون من عشرة أشهر، أولها مارس (آذار) وآخرها ديسمبر. وبعد ذلك، تم إضافة شهرين هما يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) قبل مارس، وبذلك أصبح ديسمبر (الشهر العاشر) هو الشهر الثاني عشر، ونوفمبر (الشهر التاسع) أصبح الحادي عشر، وأكتوبر (الشهر الثامن) أصبح العاشر.

وفي عام 46 ق.م، أجرى يوليوس قيصر تصحيحًا للتقويم معتبراً السنة تتكون من 365 يوماً وست ساعات. ومع ذلك، بقي هناك خطأ طفيف، حيث إن السنة الفعلية تحتوي على 365 يوماً وخمس ساعات و48 دقيقة و51 ثانية. وهذا الفرق الصغير، أي 11 دقيقة و51 ثانية، يضيف يوماً كاملاً كل 129 سنة، وهو ما يُعرف بـ”التقويم اليولي” أو “الشرقي”.
ملاحظة: بعض المصادر تشير إلى أن السنة الفعلية أو الاستوائية تستغرق حوالي 365 يوماً و6 ساعات تقريبأ ، لكن التقدير الأدق هو 5 ساعات و48 دقيقة و51 ثانية. السبب وراء هذا الفرق هو أن الرقم “6 ساعات” يستخدم كقيمة تقريبية لتسهيل الفهم والحسابات العامة، بينما القيمة الدقيقة تتطلب التفصيل في الدقائق والثواني.

وفي عام 1582، جاء الإصلاح الغريغوري وسمي نسبة إلى البابا غريغوريوس الذي أمر باستخدامه. في ذلك الوقت، كان الفرق بين التقويم اليولي والحقيقة الفلكية لدورة الشمس السنوية عشرة أيام، مما جعل الاعتدال الربيعي يقع في 11 آذار بدلاً من 21 آذار. لذلك، تم حذف عشرة أيام، وأُعتبر اليوم التالي للرابع من أكتوبر هو الخامس عشر من أكتوبر. ومع مرور الزمن، زادت الفرقية بين التقويمين الغريغوري واليولي بمقدار يوم واحد كل 129 سنة، وهو ما يجعل الفرق الآن بينهما 13 يوماً. ومنذ هذا التاريخ، بدأت السنة الجديدة في الأول من يناير بدلاً من الأول من نيسان.

متى يبدأ رأس السنة الإيزيدية؟

حسب النصوص الدينية الإيزيدية المقدسة، بعد خلق الأرض بمئات الملايين من السنين، لم يكن هناك حياة على سطح الكرة الأرضية حتى نزلت عليها “لالش النورانية”، ولذلك يُقال إن (لالش) هي خميرة الأرض، مما أدى إلى استقرار عناصر الحياة الأربعة: الماء، التراب، الهواء (الأوكسجين)، والنار (الشمس). بعد ذلك، أزهرت الأرض وتزينت بالألوان، وبدأت الحياة.
كما جاء في النص الديني في قول الخليقةِ والتكوينِ (قه‌وڵێ، زه‌بوني مكسور) :
به‌عدى چل سالى ب هزماره، عرضئ ب خورا نه‌كرت بوو حشاره، هه‌تا، لالش و موحبه‌ت، ناف دا، داهنارا ، لالش كو دهاته، لعرض شين دبور، نه باته، بى زيني چيقاس كنياته.

الترجمة: بعد أربعين سنة، لم تكن الأرض مستقرة حتى نزلت عليها الرحمة لالش . وبعد نزولها، بدأت الحياة وتزينت الأرض.

يسبق هذه المناسبة يومان مقدسان:

1. الأربعاء الذي يلي 21 آذار، و يسمى “قرا جارشم”، حيث يتساوى فيه الليل والنهار. ومن أهم طقوسه صنع كعكة رأس السنة (كولاج).

2. الأربعاء التالي له، و يسمى “آخر جارشم”، ويقتصر على زيارة المقابر، وتبادل الخيرات والزيارات.

أما أول أربعاء من شهر نيسان، فهو عيد الأربعاء الأول من نيسان، حيث يحتفل الإيزيديون برأس السنة الإيزيدية، والذي يُعد أول أربعاء من السنة الإيزيدية الجديدة، ويُعرف أيضاً بـ “أوغَر جارشم”، أي أربعاء الوداع.

عيد الاعتدال الربيعي
كما ذكرنا، تستمر مراسيم عيد رأس السنة الإيزيدية مدة ثلاثة أسابيع متتالية، تُقام كل يوم أربعاء، بدءاً من الأربعاء الأول بعد الحادي والعشرين من آذار. ويسبق هذا العيد عيد ملك زان، الذي يبدأ في الثامن عشر من آذار ويستمر حتى الرابع والعشرين منه.
يقول النص الديني الإيزيدي:

18 آذارئ ملكزان تيتا خورئ، خملي سه‌رئ دارئ هه‌تئ 24 آذارئ..

الترجمة: في 18 آذار، هبط ملك زان من السماء، فتزينت الأشجار حتى 24 آذار.

لماذا يقع الأربعاء الأول من نيسان في منتصف الشهر الميلادي؟

يرجع ذلك إلى أن الإيزيديين يعتمدون حالياً على التقويم الشرقي، الذي يتأخر عن التقويم الميلادي بثلاثة عشر يوماً . إضافة إلى ذلك، هناك تقويم آخر يُعرف باسم “التقويم الحساس للفقراء”، والذي يسبق التقويم الشرقي بأسبوع واحد. ولمعرفة الحساب الدقيق، يمكن مقارنة التقويم الشرقي الذي يعتمده أغلب الإيزيديين مع التقويم الحساس للفقراء، بالإضافة إلى مقارنة توقيت عيد ملك زان الذي يُفترض أن يتزامن مع الاعتدال الربيعي، عندها نصل إلى الحساب الدقيق.

في الختام: يعد عيد رأسِ السنةِ الإيزيدية شاهداً خالداً على تمسك الإيزيديين بهويتهم وإيمانهم، رغم ما مرّوا به من مآسٍ تاريخية وإبادات متكررة . وعلى مرّ العصور، عُرفت هذه المناسبة بأسماء وتأويلاتٍ متعددة ، وتعرضت أحياناً لسوء الفهم والاستغلال، غير أنّ الإيزيديين بعون الخالق «خودي» وبرمزية طاووس الملائكة حافظوا على طقوسهم وتراثهم ودينهم، صامدين في وجه المحن والمجازر التي استهدفتهم، لأنهم أصحاب ديانة مسالمة وتاريخٍ عريقٍ يعتزّون به.
الشيخ صبحي نابو:رئيس المجلس الديني الإيزيدي.
كل عام وأنتم بخير، وأتمنى السلام والمحبة للإيزيديين وللبشرية جمعاء.