ترامب لسان أمريكا الصريح

سليم الحسني

مع أن عملية ترامب العسكرية في فنزويلاً كانت صادمة للعالم، لأنها سحقت الأعراف الدولية بشدة، إلا أن ما فعله الرئيس الأمريكي كان تعبيراً عن رؤية الولايات المتحدة للعالم.
لا يختلف ترامب عن غيره من رؤساء أمريكا في التوجهات الاستراتيجية، إنه يسير معهم على نفس الخط، لكن الذي يميزه عنهم أنه يتصرف بعيداً عن القناع السياسي الذي يضعه السابقون.
إن العقل السياسي الأمريكي لا يستطيع أن يتقبل فكرة المشاركة الدولية، ولا القطبية المتعددة أو الثنائية، إنه مسكون بفكرة القطب الواحد وسيادة العالم. وفي الحقيقة فان هذا الطموح ليس جديداً أو خاصاً بأمريكا، فكل الامبراطوريات القوية في التاريخ كانت تعيش هذا الحلم. لكنها كانت تتوقف عند حدود القدرة والتوازنات المفروضة عليها.
أمريكا لا تجد ان لقدرتها حدوداً، ولا تريد أن تكون هناك توازنات قوة تجبرها على التوقف عند نقطة معينة. إن العقل السياسي الأمريكي يرفض هذه الفكرة بشكل قاطع. وهذا ما يجعلها وفي فترات مختلفة تكرر مقولة الأمن القومي والمصالح الأمريكية عندما تتدخل في مناطق بعيدة عنها بمسافات شاسعة.
إن الأفكار والقيم والاعتبارات التي تتحدث عنها السياسة الأمريكية مثل الديمقراطية والقانون الدولي وحقوق البشر ومجلس الأمن والأمم المتحدة وغيرها، لها مفهوم مختلف في العقل الأمريكي الحاكم، فهي ليست أكثر من أدوات تستخدمها أمريكا لمصلحتها، وقد قدمت لها الخدمات التي تريدها حتى مطلع الألفية الثانية، ثم بدأت العقل الأمريكي نفسه يضيق بها. وقد شعر رؤساء أمريكا منذ فترة بوش الإبن بأن هذه التشكيلات والمقولات صارت عبئاً على صدر أمريكا، وأنها أشبه ببكاء طفل في رحلة ممتعة.
عندما قال الرئيس بايدن في بداية حرب ٧ أكتوبر (لو لم تكن إسرائيل موجودة، لخلقنا إسرائيل) ولم يشعر بالحرج من هذه العبارة المتغطرسة التي تتحدى قيم النظام العالمي والقانون والاعتبارات الدولية. لم يكن بايدن ليقول ذلك في مناسبة أخرى، ولكن قوة الحدث المفاجئ، جعلته يتحدث بلسان العقل السياسي الأمريكي بصراحة.
وعندما تحدث ترامب في مرات عديدة عن إلحاق كندا بأمريكا والاستحواذ على جزيرة غرينلاند والسيطرة على نفط الشرق الأوسط وأمواله، فانه كان يتصرف وفق العقل الأمريكي، لكن طبيعته الشخصية تختلف عن الرؤساء الذين يلتزمون بقيود الكلام السياسي، أما هو فلا يعير لذلك أي اعتبار، وهو يتعمد ذلك، لأنه يرى أن أمريكا قد تأخرت كثيراً في تنفيذ أحلامها كقوة وحيدة على الأرض تسيطر على مشارقها ومغاربها.
لقد انتهت حقبة الكلام الدبلوماسي لرؤساء أمريكا، وانتهت الحاجة الى التشكيلات الدولية، وبدأ عصر التدمير المكشوف.
٦ كانون الثاني ٢٠٢٦