د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع الزيدي عن بحث في الزيارة والتوسل: هذا، وقد كثر الكلام، وطال الخصام في شأن الزيارة والتوسل، ولنتكلم بما يقتضيه الدليل، الذي ليس على سواه تعويل، فنقول: أما الزيارة، فكفى بزيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لشهداء أحد وأهل البقيع، وتعليمه كيفية الزيارة برواية الصحاح وغيهرا. وأما التوسل فكفى بقول الله في محكم تنزيله على رسوله: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما” (النساء 64)، “ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته” (التوبة 99)..الآية، “وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم” (التوبة 103)، فلا يسوغ لمؤمن بالله ورسوله أن يجعل ذلك كالتوسل والاستشفاع بالأوثان، واعتقاد تقريبها إلى الله زلفى، ?تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وءاياته يؤمنون? (الجاثية 6)، وما ورد في الأخبار الصحيحة من استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب بلفظ: إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. هكذا أخرجه البخاري وأقره على ذلك الصحابة كافة، والعلة في الحي والميت واحدة، فلا يحل الإشراك بحي ولا بميت، ولا بدعائه ولا بغيره، وفضيلة الميت وحرمته عند الله عز وجل باقية، وليس الغرض أنه ينفع أو يضر هو، إنما النفع والضر من الله، والأمر كله لله تعالى، وأيضا فإن بلال بن الحارث الصحابي ذهب إلى القبر الشريف وقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم – في النوم -: أخبر عمر أنكم مسقون، فأخبره بذلك ولم ينكر عليه أحد، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وإنما ترك الصحابة الاستسقاء عند القبر النبوي لأن المشروع في ذلك أن يكون في الجبانة، فاستسقوا بالعباس عمه رضي الله عنه، وأنواع الطاعات كثيرة ولا حجر ولا قصر. وقصة الأعمى الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي، اللهم فشفعه في) أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم والترمذي، وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه وصححه، والطبراني من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه، لا يقال: إن الأعمى طلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء لأنه يقال: لم نستدل بقول الأعمى وإنما استدللنا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه علمه التوسل الصريح، وقولهم: إن المراد بدعائه تحريف وتبديل، وفيه نداء الغائب ولا فرق في ذلك بينه وبين الميت، ومثل ذلك التوسل الصريح بالعباس رضي الله عنه إنما هو لقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان المراد بدعائه لكان دعاء غيره ممن هو أفضل منه بالإجماع أولى، وهذا معلوم ولكن الهوى يعمي ويصم. وأخبار الرقية بالقرآن، حتى ضرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له سهما معهم، وأحاديث الاستشفاء بالقرآن وغير ذلك كثير يضيق عنها المقام، وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم معلومة، وهي من هذا الباب ولو كانت شركا لكانت قبيحة قطعا من حي وميت “إن الشرك لظلم عظيم” (لقمان 13). ومن البدع عدم الفرق بين تعظيم من أمر الله بتعظيمه وشرع التوسل به وبين من نهى عن تعظيمه والتوسل به، وجعل تعظيم الرسول الأمين وتعظيم المشركين لتلك الأصنام والشياطين من باب واحد، وطريقة واحدة “ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23)” (الأنفال 20ـ23).
جاء في صحيفة المسيرة عن حياة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام للكاتب خالد القروطي: التعاملُ مع ناقضين العهد والخارجين عليه: ولم يختلفِ الحالُ معه في التعامل مع ناقضي العهد ومانعي الزكاة والخارجين عليه، حيثُ لم يكن يقاتلهم حتى يقدم الدعوة إليهم بالتوبة والرجوع إلى الحق وإعطاء ما عليهم، فإنْ تابوا وأنابوا قبل منهم ذلك، وإن أبوا وتمنعوا لم يكن ليقاتلهم ولا ليحاربهم حتى يعلمهم بالحرب ويبلغهم بنقضهم للعهد. جاء في كتاب له وجّهه عليه السلام لبني الحارث بن كعب بنجران وذلك عندما رفضوا تسليمَ الزكاة، وآذنوا واليه هناك بالحرب، فكان مما كتبه الإمام إليهم: (أما بعد: فإن اللهَ عز وجل يقول في كتابه: “اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال” (الرعد 11)، وقد بلغنا ما أنتم عليه مما هو إن شاء الله تعالى سبب لهلاككم وحلول النقم بكم، ولم تزالوا أهل غدر ومكر بأولياء الله، ومن مكر بأولياء الله فإنما مكره على نفسه “وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ” (فاطر 43)، ونخن أحق من تأدب بأدب الله واحتذى في قوله كله، وقد قال الله سبحانه: “وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين” (الأنفال 58)، ولسنا ممن يستجيز غدراً، ولا يستحل خديعة ولا مكراً، ولا يقول غير ما يفعل، ولا ينطق إلا بما يعمل، وقد آذناكم بالحرب على سواء “إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين” (الأنفال 58). وسبق لنا في المبحث الأول بيان كيف كانت سيرته عند اقتراب الزحف من تعبئة جيشه ميمنة وميسرة وقلباً كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وكيف يصف جنوده صفاً وراء صف اتباعاً لقول الله تعالى: “إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص” (الصف 4)، ويوصيهم بقلة الكلام والصياح والهرج، ويمنع أصحابه أن يتبعوا مدبراً، أَوْ يقضوا على جريح، أَوْ يقتلوا وليداً أَوْ امرأة أَوْ شيخاً كبيراً لا يطيق القتال، أَوْ يقطعوا شجراً، أَوْ يمثلوا بآدمي أَوْ بهيمة.
جاء في موقع الزيدي عن حكم الحديث إذا خالف كتاب الله تعالى: وعند أئمتنا عليهم السلام أنَّ ما جاء من الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وهو مخالف لكتاب الله تعالى فإنه يرد ولا يقبل ولا يجوز العمل به من دون تأويل، وأحسن السبل لتحصيل المسائل الإلآهية وما يلحق بها سبيل الزيدية وأئمتها فإنها السبيل الآمنة التي لا يضل سالكها أبداً بشهادة نبي الرحمة ورسول هذه الأمة. وبعد، فإنه ليس لطائفة من طوائف الإسلام ما تثبت به دعواها من أن الحق معها وفي جانبها، غير أن بعضهم يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في بيان أن الحق معهم (ما كانت عليه أنا وأصحابي)، أو كما قال صلى الله عليه وآله، ولكن ما في هذا الحديث ما يدل على أن الأشعرية أو الوهابية أو الحنبلية أو الزيدية على الحق، وأن الحق معهم وفي جانبهم، لا بالمنطوق ولا المفهوم، ولا بالتصريح ولا بالإشارة. أمَّا الزيدية فقد نصت الأدلة وصرحت بأن الحق مع عترة الرسول صلى الله عليه وآله، وكثرت الأحاديث واشتهرت بين الأمة وخرجت عن حد الحصر وروتها تلك الطوائف في كتبها وقالوا إنها صحيحة، فبذلك قامت لله سبحانه وتعالى الحجة على جميع الخلق “لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ” (الأنفال 42)، فمن أخذ دينه عن عترة الرسول صلى الله عليه وعليهم فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن دان بغير دين آل الرسول صلى الله عليه وآله فقد ضل عن السبيل، وظلم نفسه وغرق وهوى في ظلم الضلال، بدليل قوله تعالى: “فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ” (يونس 32). فالحمد لله على ما بين لنا كيف المخرج عند الاختلاف، وأرشدنا إلى معرفة أهل الحق حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.