عقيدة الزيدية والقرآن الكريم من سورة (ح 39) (الامام الهادي)

د. فاضل حسن شريف

جاء في صحيفة المسيرة عن حياة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام للكاتب خالد القروطي: التعاملُ مع ناقضين العهد والخارجين عليه: ولم يختلفِ الحالُ معه في التعامل مع ناقضي العهد ومانعي الزكاة والخارجين عليه، حيثُ لم يكن يقاتلهم حتى يقدم الدعوة إليهم بالتوبة والرجوع إلى الحق وإعطاء ما عليهم، فإنْ تابوا وأنابوا قبل منهم ذلك، وإن أبوا وتمنعوا لم يكن ليقاتلهم ولا ليحاربهم حتى يعلمهم بالحرب ويبلغهم بنقضهم للعهد. جاء في كتاب له وجّهه عليه السلام لبني الحارث بن كعب بنجران وذلك عندما رفضوا تسليمَ الزكاة، وآذنوا واليه هناك بالحرب، فكان مما كتبه الإمام إليهم: (أما بعد: فإن اللهَ عز وجل يقول في كتابه: “اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال” (الرعد 11)، وقد بلغنا ما أنتم عليه مما هو إن شاء الله تعالى سبب لهلاككم وحلول النقم بكم، ولم تزالوا أهل غدر ومكر بأولياء الله، ومن مكر بأولياء الله فإنما مكره على نفسه “وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ” (فاطر 43)، ونخن أحق من تأدب بأدب الله واحتذى في قوله كله، وقد قال الله سبحانه: “وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين” (الأنفال 58)، ولسنا ممن يستجيز غدراً، ولا يستحل خديعة ولا مكراً، ولا يقول غير ما يفعل، ولا ينطق إلا بما يعمل، وقد آذناكم بالحرب على سواء “إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين” (الأنفال 58). وسبق لنا في المبحث الأول بيان كيف كانت سيرته عند اقتراب الزحف من تعبئة جيشه ميمنة وميسرة وقلباً كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وكيف يصف جنوده صفاً وراء صف اتباعاً لقول الله تعالى: “إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص” (الصف 4)، ويوصيهم بقلة الكلام والصياح والهرج، ويمنع أصحابه أن يتبعوا مدبراً، أَوْ يقضوا على جريح، أَوْ يقتلوا وليداً أَوْ امرأة أَوْ شيخاً كبيراً لا يطيق القتال، أَوْ يقطعوا شجراً، أَوْ يمثلوا بآدمي أَوْ بهيمة.

جاء في موقع عرفان: بعد أن أخرجت عقائد الزيدية من كتاب البحر الزخار، وقفت على رسالة مختصرة باسم العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين لموَلّفه العلامة الاَمير الحسين بن بدر الدين محمد المطبوع باليمن، نشرته دار التراث اليمني صنعاء، و مكتبة التراث الاِسلامي بصعده وهي من أوائل الكتب الدراسية في حقل أُصول الدين والموَلّف من أجلّ علماء الزيدية، وأكثرهم تأليفاً وتعد كتبه من أهم الاَُصول التي يعتمد عليها علماء الزيدية ويدرسونها كمناهج. فصل (في أنّ اللّه تعالى واحد) فإن قيل: أربّك واحدٌ لا ثاني له، أم لا؟ فقل: بلى هو واحد لا ثاني له في الجلال، متفرد هو بصفات الكمال، لاَنّه لو كان معه إله ثان لوجب أن يشاركه في صفات الكمال على الحد الذي اختصّ بها، ولو كان كذلك لكان على ما قدر قادراً، ولو كان كذلك لجاز عليهما التشاجر والتنازع، ولصح بينهما التعارض والتمانع، ولو قدّرنا هذا الجائز لاَدى إلى اجتماع الضدين من الاَفعال، أو عجز القديم عن المراد، وكل ذلك محال، تعالى عنه ذو الجلال، لقوله: “لَوْ كَان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاّ اللّه لَفَسَدَتا” (الاَنبياء 22)، ولقوله عزّ قائلاً: “أَم جَعَلُوا للّه شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ” (الرعد 16) فتبين أنّ الخلق يشهد بإله واحد، وأنّه ليس هناك خلق ثانٍ يشهد بإله ثان، وهذا واضح، فإنّ هذا العالم دليلٌ على إله واحد وهو الذي أرسل الرسل، وأوضح السبُل. ويَدُل على ذلك قوله عزّ وجلّ: “فَاعْلَمْ أَنّهُ لا إِلهَ إلاّ اللّه” (محمد 19)، وقوله: “شَهِدَ اللّه أَنّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوْا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ” (آل عمران 18)، وقوله: “وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌج” (البقرة 163)، وقوله: “قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ” (الصمد 1).

قال الإمام زيد بن علي عليه السلام: (فَسلهُم عَن أصحَاب الموجِبَات (أي الموبِقات، الكبائر)، هَل وَعَدهم اللّه تعالى النّار عليها، أم لا؟ فإن شَهدوا أنَّ اللّه تعالى قَد وعَدَهم النّار عليها، فقل: أتشهدُون أن اللّه سبحانه وتعالى سُينجِزُ وعدَه، أم فِي شكٍّ أنتُم لا تَدرون هَل يُنجزُ اللّه وعدَهُ أم لا؟ فَارضَوا بِمَا شَهِد اللّه به واشهَدوا عَليه ولا تَرتابوا، فإن اللّه جل وعلا قَال: “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا” (النساء 122)، فَمَن حَدّثكُم حَديثاً بِخِلاف القُرآن فَلا تُصَدِّقُوه واتّهِموه، وليكُن قول اللّه عز وجل أشفَى لقُلوبكم مِن قَولهم: إنَّ أصحَاب الموجبات فِي المشيئة، وكَذلك مَن شَاء أن يَغفِرَ لَه مِن أهل القِبلة يَترُك الموجِبات لا يَعمَل بها، فَإن عَمِل بِشيء مِنها ثمّ تَاب إلى اللّه تعالى قَبل أن يَمُوت فإن اللّه تعالى قال: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ” (إبراهيم 27)، فمَن مَات مُؤمناً دَخَل قَبرَه مُؤمناً، وبَعثه اللّه تعالى يَوم القِيامة مُؤمناً).

الأستاذ العلامة عبدالله حمود العزي كتب الله أجره يقول: قال تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر 9). لقد أنزل الله هذا النور القرآني، وضمن حفظه، وبالنسبة لطريقة جمعه فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بترتيبه حسب النزول، والإمام علي عليه السلام هو باب مدينة علمه كان هو المدون الأول في الأدم، والحافظ الأول في الصدر، ويجب على المؤمن أن يعتقد تواتر القرآن، وأنه من عند الله تعالى، وأنه محفوظ منذ نزوله إلى ما لا نهاية.