د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع عرفان: بعد أن أخرجت عقائد الزيدية من كتاب البحر الزخار، وقفت على رسالة مختصرة باسم العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين لموَلّفه العلامة الاَمير الحسين بن بدر الدين محمد المطبوع باليمن، نشرته دار التراث اليمني صنعاء، و مكتبة التراث الاِسلامي بصعده وهي من أوائل الكتب الدراسية في حقل أُصول الدين والموَلّف من أجلّ علماء الزيدية، وأكثرهم تأليفاً وتعد كتبه من أهم الاَُصول التي يعتمد عليها علماء الزيدية ويدرسونها كمناهج. حلقات المناظرة بين الاِمامية والزيدية: يشهد التاريخ على أنّ حلقات المناظرة كانت تنعقد في الجامعات وبيوت الشخصيات في عصر الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ) ويشارك فيها الاِمامي والزيدي والمعتزلي وغيرهم، وكان الشيخ يناظر كل هذه الفرق، ببلاغة تثير إعجاب المشاركين. وقد ذكر السيد المرتضى (355 ـ 463هـ) قسماً من هذه المناظرات في كتابه (الفصول المختارة) الذي اختاره من كتاب (العيون والمحاسن) لاَُستاذه الشيخ المفيد، وقد طبع الاَوّل دون الثاني. ونذكر هنا أجوبة الشيخ للاعتراضات الثلاثة التي طرحها أحد شيوخ الزيدية المعروف بالطبراني ويدور الجميع على محاور ثلاثة. إنّ الاِمامية حنبلية من جهات ثلاث: 1 ـ يعتمدون على المنامات كالحنابلة. 2 ـ يدّعون المعجزات لاَ كابرهم كالحنابلة. 3 ـ يرون زيارة القبور مثلهم. وإليك الاعتراضات والاَجوبة بنصهما. الجواب على الاعتراض الثاني:فأمّا قولنا في المعجزات فهو كما قال اللّه تعالى: “وَأوحَيْنا إلى أُمّ مُوسى أن أرضِعيه فإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألقيهِ في اليمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحزَني إنّا رادُّوه إلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلين” (القصص ـ 7). فَضمَّنَ هذا القولُ تصحيح المنام إذ كانَ الوَحي إليها في المنام، وضمَّنَ المعجز لها لعلمها بما كان قبل كونه. وقال سبحانه في قصة مريم ( عليها السلام ): “فَأشارت إلِيهِ قَالَوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهدِ صَبِيا * قالَ إنّي عَبدُ اللّه آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبيّاً * وَجَعَلَني مُبارَكاً أينَ ما كُنْتُ وَأوصاني بالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً” (مريم ـ 29 ـ 31) فكان نطق المسيح عليه السلام معجزاً لمريم ( عليهما السلام ) إذ كان شاهداً ببراءة ساحتها. وأُمّ موسى عليه السلام ومريم لم تكونا نبيين ولا مرسلين ولكنهما كانتا من عباد اللّه الصالحين. فعلى مذهب هذا الشيخ كتاب اللّه يصحح الحنبلية. الجواب على الاعتراض الثالث: وأمّا زيارة القبور فقد أجمع المسلمون على وجوب زيارة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى رووا “منْ حجَّ ولم يزره متعمداً فقد جفاه صلى الله عليه وآله وسلم وثلم حجّهُ بذلك الفعل”، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: “من سلّم عليّ من عند قبري سمعته، ومن سلّم عليَّ من بعيد بلغته” سلام اللّه عليه ورحمته وبركاته وقال صلى الله عليه وآله وسلم للحسن عليه السلام: “من زارك بعد موتك أو زار أباك أو زار أخاك فله الجنّة”. وقال أيضاً: في حديث له أوّل مشروح في غير هذا الكتاب: (تزوركم طائفة من أُمتي تريد به برّي وصلَتي فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف فأخذت بأعضادها وأنجيتها من أهواله وشدائده). ولا خلاف بين الاَُمّة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من حجّة الوداع لاذ بقبر درس فقعد عنده طويلاً ثم استعبر فقيل له: يارسول اللّه ما هذا القبر؟ فقال: هذا قبر أُمّي آمنة بنت وهب سألت اللّه في زيارتها فأذن لي. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وكنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الاَضاحي ألا فادخروها). وقد كان أمر في حياته صلى الله عليه وآله وسلم بزيارة قبر حمزة عليه السلام وكان عليه السلام يلمّ به وبالشهداء، ولم تزل فاطمة ( عليها السلام ) بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم تغدو إلى قبره وتروح لزيارته وكان أهل بيته والمسلمون يثبرون على زيارته وملازمة قبره صلى الله عليه وآله وسلم فإن كان ما تذهب إليه الاِمامية من زيارة مشاهد الاَئمة عليهم السلام حنبلية وسخفاً من الفعل، فالاِسلام مبني على الحنبلية ورأس الحنبلية رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا قول متهافت جداً يدلّ على قلة دين قائله وضعف رأيه وبصيرته. ثم قال له: يجب أن تعلم أنّ الذي حكيت عنه قد حرّف القول وقبّحه ولم يأت به على وجهه، والذي نذهب إليه في الروَيا أنّها على أضرب: فضرب منه يبشر اللّه به عباده ويحذرهم. وضرب تهويل من الشيطان وكذب يخطر ببال النائم. وضرب من غلبة الطباع بعضها على بعض، ولسنا نعتمد على المنامات كما حكاه لكننا نأنس بما نبشر به، ونتخوف مما نحذر منها ومن وصل إليه شيء من علمها عن ورثة الاَنبياء عليهم السلام مَيزّ بين حقّ تأويلها وباطله ومتى لم يصل إليه شيء من ذلك كان على الرجاء والخوف.
جاء في صفحة الزيدية والرد على شبهاتهم: تفضيل نهج الإمامية على مذهب الزيدية بالأدلة الشرعية (الحلقة الثالثة) للكاتب مروان خليفات: الدليل الثالث: الإمامة نصٌ إلهي ونبوي ولا دليل على القيام بالسيف والدعوة: القرآن هو المصدر الأساس الذي ينبغي رد كل خلاف إليه، وعرضه عليه، وحين ننظر في كتاب الله نجده يقرر بلسان عربي مبين: الأنبياء الأئمة: ذكر القرآن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، وفي القرآن ذكرٌ لبعض الأئمة، فمنهم داود وسليمان عليهما السلام. قال تعالى: “يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق” (ص 26) وقال تعالى: “وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة” (البقرة 251) يشير الله عز وجل في موضع آخر أن الملك بيده، وقد آتى الأئمة من آل إبراهيم الملك العظيم، فضلا عن علم الكتاب والحكمة، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا” (النساء 53 – 54) ومنهم طالوت، قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ” (البقرة 246) الله هو من بعث طالوت وهو من جعله خليفة سلطانا، ولو كانت الحاكمية بالاختيار واشهار السيف والدعوة، لقال الله لهم ذلك وبينه لهم. ولكنها سنة الله لا تتغير كما في الموارد العديدة التي أشرنا إليها، فالله هو من يعين خليفته في الأرض ويؤتيه ملكه كما في آخر الآية: “وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (البقرة 247) وفي الآية تأكيد على التعيين والنص، بقوله: “إن الله اصطفاه عليكم” (البقرة 247) ولم يجعل للقوم طريقا للإختيار، ثم بين تميزه بالعلم والقوة الجسدية، ويفهم من هذا، أن خليفة الله والإمام يكون أفضل الناس وأكملهم، بل أعلمهم في زمانه، وإلى هذا القيد اشار المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص عترته وخلفائه: (ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم). وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار: قد يقال: إن الله كما جعل أئمة يفعلون الخيرات فكذلك جعل أئمة يدعون إلى النار، قال تعالى: “وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار” (القصص 41) لكن هذا النقض ضعيف وغير وارد أصلا، فقوله تعالى: “وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار” (القصص 41) هو بخصوص فرعون وجنوده، وهذا واضح من سياق الآيات التي جاءت قبلها، ومعناه إن الله صير فرعون وجنوده بعد أن اختاروا الضلال والغواية بارادتهم مثالا لفراعنة وطغاة الزمان يدعونهم إلى النار بما اختاروه من طريق الشر. قال السيد الطباطبائي: (ومعنى جعلهم أئمة يدعون إلى النار، تصييرهم سابقين في الضلال يقتدى بهم اللاحقون ولا ضير فيه لكونه بعنوان المجازاة على سبقهم في الكفر والجحود وليس من الاضلال الابتدائي في شئ) تفسير الميزان، ج 16 – ص 38. ينبغي الالتفات إلى أن جعلهم أئمة يدعون إلى النار، ليس من الجبر في شيء، بل جعلهم في النار بما اختاروه من ضلال، بالرغم من رحمة الله بهم وارساله نبيه إليهم وإقامته الحجة عليهم، أما جعل الله أئمة يهدون بأمره، أي صيرهم في مقام، طاعتهم مفروضة على الناس، ومن يعصي أمرهم، فهو آثم، فالفرق واضح بين الآيتين.
جاء في موقع الزيدي عن عقيدة الخلود في ميزان الثقلين (كتاب الله – أهل البيت): قال الله تعالى: “وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ * فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ” (القصص 64-67) الشّاهد: الخطاب في هذه الآية عامٌ في المشركين، ويدخلُ تحتَهُ التّائبون من الشّرك، والتّائبون من الشرك معلومٌ أنّهم أصبحوا لاشكّ مُسلمين، فهُنا يُخاطبُ الله تعالى المُسلمون التائبون من الشّرك بقوله: “فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ”، وهذا يدخلُ تحتَهُ أيضاً المسلمون التائبون مِن الكَبائر المُوبقَة، عليه تأمّل قول الله تعالى: “فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ”، أي فعسى أن يكونَ أولئكَ (المشركون أو الفسَقَة) بتوبتهِم وعملهِم الصّالح من المُفلحين، أي من المغفور لهم، والمرضيّوا الحال، وهذا أخي الباحث هُو ما نُسمّيه بالرّجاء، فالرّجاء: هُو طلبُ المغفرَة والقَبول من الله تعالى وأن يُكفّر السيئات والذنوب صغيرها والكبير. وشرطُ قَبول الرّجاء: التوبَة، فالإيمان والعَمل الصّالح، فليسَ يُرجَى لعاصٍ قَبولٌ يوم القيامَة أبداً، والرّجاء بهذا المفهوم هُو مذهبُ أهل البيت عليهم السلام، تماماً كما في قول الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (البقرة 128)، وكقوله تعالى: “أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا” (الإسراء 57).