العراق في تقاطع النيران: إشكالية السيادة ومسارات الاستقلال الاستراتيجي في المنظور الإقليمي الراهن

​بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
​يواجه العراق اليوم واحدة من أعقد المراحل التاريخية في مسيرة بناء الدولة المعاصرة، حيث يجد نفسه عالقاً في تقاطع نيران إقليمية ودولية لا تهدأ. إن إشكالية السيادة في العراق لم تعد مجرد ترف فكري أو شعار سياسي، بل تحولت إلى معضلة وجودية ترتبط بمدى قدرة الدولة على حماية مجالها الحيوي في ظل صراع كسر عظم بين المحاور، وتحديداً في ظل الاستراتيجية الصهيونية الجديدة التي تسعى لتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف وتصفية الحسابات مع الخصوم الإقليميين.
​إن الواقع الراهن يشير إلى أن السيادة العراقية تتعرض لاختبارات قاسية ومستمرة؛ فالاعتداءات الصهيونية المتكررة، سواء عبر الاختراقات الجوية أو الاستهداف المباشر لعمق الدولة، تمثل ذروة التحدي لـ الاستقلال الاستراتيجي.
هذه الاعتداءات لا تهدف فقط إلى تدمير أهداف مادية، بل تسعى بالدرجة الأولى إلى تفكيك هيبة الدولة وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية سمانه وأرضه. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لإعادة تعريف مسارات الاستقلال الاستراتيجي، بحيث لا يكتفي العراق بدور المتلقي للصدمات، بل يتحول إلى لاعب يمتلك أدوات الردع والمنع.
​إن بناء استقلال استراتيجي حقيقي في المنظور الإقليمي الراهن يتطلب بالضرورة الخروج من شرنقة التبعية الاضطرارية للمحاور المتصارعة. فالعراق، بجغرافيته السياسية المعقدة، مطالب اليوم بصياغة عقيدة أمنية وسياسية تعتمد على “لتوازن النشط. هذا التوازن لا يعني الوقوف على الحياد السلبي، بل يعني امتلاك القدرة على حماية المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار. إن المسار نحو هذا الاستقلال يبدأ من الداخل، عبر تحصين المؤسسات السيادية وتطوير منظومات الدفاع الوطني، والاعتماد على فلسفة إدارية واستراتيجية تضع الأمن القومي العراقي بوصفه المحرك الوحيد للقرار السياسي.
​وعند استشراف مستقبل الدور الإقليمي للعراق، نجد أن (الاستقلال الاستراتيجي) هو المفتاح الوحيد لاستعادة المكانة التاريخية لبلاد الرافدين.
فالعراق القوي والمستقر والسيادي هو الضمانة الوحيدة لمنع انفجار المنطقة بأكملها. إن قدرة بغداد على أن تكون محور استقرار بدلاً من ساحة صراع تعتمد على مدى نجاحها في انتزاع اعتراف إقليمي ودولي بحرمة أراضيها وأجوائها. وهذا لن يتحقق إلا إذا تحول الاستقلال الاستراتيجي من طموح نظري إلى واقع ملموس، تدعمه وحدة وطنية صلبة ورؤية سياسية ثاقبة ترفض أن يكون العراق مجرد ورقة مقايضة في صراعات الآخرين.
​ختاماً، إن معركة السيادة التي يخوضها العراق اليوم في وجه الاعتداءات الصهيونية وتجاذبات المحاور، هي المعركة التي ستحدد ملامح الدولة العراقية للعقود القادمة. إن الاستقلال الاستراتيجي ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة حتمية للبقاء. إن الطريق نحو هذا الاستقلال وعر ومحفوف بالمخاطر، لكنه المسار الوحيد الذي يضمن للعراق استعادة دوره كقائد وموازن في قلب المنطقة، بعيداً عن تقاطع النيران وحرائق الجوار.