بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
السبت، 16 أيار 2026
حين يثقل المرض كاهل الإنسان تلوذ الروح بالبحث عن بصيص أمل يعيد للجسد عافيته وتتجه الأنظار صوب مهنة طالما نُعتت بالإنسانية وجُعلت ملاذاً للمتعبين غير أن الواقع الراهن بات يكشف وبمرارة لا يمكن التغاضي عنها، عن تحول مخيف في بوصلة هذه الرسالة النبيلة لقد بات المواطن البسيط الذي يصارع لتأمين قوته اليومي يجد نفسه فجأة في مواجهة شبكة معقدة وخفية من المصالح المادية تشكلت أطرافها لتصنع ما يمكن تسميته بـ ((مثلث برمودا الطبي)) حيث تتداخل عيادة الطبيب مع رادار المختبر ورفوف الصيدلية لتلتهم في نهاية المطاف ما تبقى في جيب المواطن من رمق.
تبدأ فصول هذه المعاناة من العتبة الأولى التي يطأها المريض عتبة المستشفى الحكومي هناك حيث يُفترض أن يجد المواطن رعاية تليق بإنسانيته وتخفف من أوجاعه، يصطدم بواقع مغاير تماماً. يقف المريض أمام الطبيب في المؤسسة العامة فيجده واجماً، مقتضباً في حديثه، شحيحاً في وقته، بل ويتعامل في كثير من الأحيان بأسلوب يملأه التذمر والإعراض، وكأن تقديم الخدمة الطبية مكرمة شخصية أو صاحب منّة يتصدق بها على المحتاجين. وما إن ينتهي هذا اللقاء الجاف، حتى يأتي التوجيه المبطن أو الصريح: ((راجعني في العيادة الخاصة لتلقي العناية الكاملة)) وهنا تكمن المفارقة الصادمة؛ فذات الطبيب الذي كان متبرماً وضيق الصدر في أروقة المستشفى العام، يتحول في عيادته الشخصية في المساء إلى كائن آخر تماماً ملاك يفيض بشاشة ورحمة، يمنح المريض وقتاً طويلاً ويستمع لتفاصيل شكواه بإنصات تام، ليتبين أن الفارق بين الشخصيتين ليس سوى ثمن المراجعة والأجور الفاحشة التي تُدفع عند بوابة العيادة.
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود أجور الكشفية المرتفعة، بل هي مجرد تذكرة دخول إلى نفق (التحالف المصلح) الممتد. بمجرد خروج المريض من غرفة الفحص تبدأ عملية التوجيه الممنهج نحو مختبر بعينه وصيدلية بذاتها. هذا التنسيق ليس نابعاً من تميز علمي أو جودة حصرية، بل هو نتاج اتفاقيات وتفاهمات تجارية بحتة تُعقد خلف الكواليس. لقد أصبحت التجارة الطبية تدار بعقود غير مكتوبة تقوم على المصالح المتبادلة؛ إذ يتكفل صاحب المختبر أحياناً بدفع الإيجار السنوي لعيادة الطبيب، أو تأثيثها بأفخر المستلزمات والمكاتب والأجهزة، مقابل التزام الطبيب بإحالة جميع مرضاه إليه عبر شفرات ورموز خاصة على ورقة الفحص لا يفهمها سوى ذاك المختبر.
وعلى الضلع الآخر من هذا المثلث، تقف الصيدلية كشريك أساسي في هذه المنظومة اللاهثة وراء الربح. فلكل وصفة طبية تُكتب بخط غير مقروء تعود نسبة مئوية محددة ومبلغ معين يصب في حساب الطبيب، مما يدفع ببعض الأطباء إلى حشو (وصفة العلاج ) بأدوية ومكملات غذائية لا يحتاجها المريض فعلياً، فقط لرفع قيمة الفاتورة وزيادة العائد المالي المتفق عليه. يسير المريض في هذه الدائرة المغلقة، مسلوب الإرادة، ومجبر على الانصياع، ظناً منه أن شفاءه معلق بذاك المكان تحديداً، بينما الحقيقة أنه يقع ضحية (كارتيل) ويقصد بها تحالف طبي يتقاسم أطرافه أرباح مرضه وعوزه.
إن هذا التداخل غير الأخلاقي بين التشخيص والعلاج والتحليل قد أفرغ المهنة من محتواها الأخلاقي، وحولها من ملاذ آمن للضعفاء إلى سوق حرة تخضع لقوانين العرض والطلب والاحتكار. وعندما تغيب الرقابة الحقيقية والصارمة من الجهات المعنية، وتتوارى الضمائر أمام بريق المكاسب السريعة، يصبح المواطن ذو الدخل المحدود هو القربان الذي يُقدم يومياً على مذبح هذه التحالفات المشبوهة. إن استمرار هذا الوضع دون رادع قانوني أو مراجعة ذاتية من قطاع الأطباء يهدد بانهيار السلم المجتمعي والثقة بين المريض وطبيبه، فالطب لم يكن يوماً وسيلة لإثراء البعض على حساب دماء وجيوب الفقراء، بل كان وسيبقى رسالة إنسانية تتطلب من صاحبها أن يضع مخافة الله ومصلحة الإنسان فوق كل اعتبار مادي.