يقين الجزاء( من سقى الناس سُقي بما سقى)

يقين الجزاء( من سقى الناس سُقي بما سقى)
الكاتب: حسين شكران العقيلي
الخميس، 2 أبريل 2026م

​في نظام الكون الدقيق الذي أوجده الخالق سبحانه، لا يضيع أثر، ولا يغيب مثقال ذرة من عمل؛ فالحياة ليست إلا صدىً لما نلقيه في بئر الأيام، والقدر لا يغلق ملفاتنا إلا بعد أن يذيقنا من صنف ما قدمناه لغيرنا. إن القاعدة الكونية الراسخة التي تحكم مسيرة البشر هي أن الجزاء من جنس العمل، وهي حقيقة تمنح الطمأنينة للمظلوم والمحسن، وتضع الظالم والمسيء أمام مسؤولية كبرى، مفادها أن الكأس التي ملأتها بيديك، ستعود لتشرب منها يوماً ما بشفتيك، ولكن عبر يدٍ أخرى يسخرها القدر لتنفيذ حكم العدل الإلهي.
​إن المتأمل في نصوص الوحي يدرك أن هذا اليقين ليس مجرد فلسفة بشرية، بل هو قانون إلهي صريح، حيث يقول الله تعالى في محكم تنزيله:﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وهذا في جانب الخير، أما في جانب الشر والظلم، فإن الوعيد يأتي ليؤكد أن العواقب ترتد على أصحابها، كما في قوله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46]. هذه الآيات تؤسس لمفهوم «الارتباط السببي» بين الفعل والنتيجة، فالإنسان يزرع اليوم ما سيحصده غداً، واليقين بالجزاء يجعل المرء يراقب (كأسه) قبل أن يذيقها لغيره.
​وقد تجلّى هذا المفهوم بوضوح في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لتكون منبهاً للغافلين، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: «بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ آدَمَ بِالْقَتْلِ، وَبَشِّرِ الزَّانِيَ بِالْفَقْرِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ» (الكافي، للشيخ الكليني). إن هذا الحديث الشريف يؤكد حتمية النتائج المترتبة على الأفعال، فالله تعالى بعدله المطلق لا يترك (دَيْناً) معنوياً أو مادياً إلا ويقتضيه في الدنيا قبل الآخرة. فمن سقى الناس مراً، لا بد أن يُسقى بمرارة أفعاله، ومن جبر خواطر العباد ببرد الإحسان، سخر الله له في غيب القدر من يروي ظمأه ويجبر خاطره، فالقانون ثابت والأيام دول.
​إن وحدة الموضوع في هذه الحقيقة تتجلى في فكرة «اليد الأخرى»؛ فالله سبحانه لا يعاقب أو يكافئ دائماً من خلال نفس الشخص الذي أحسنت إليه أو أسأت له، بل يسخر طرفاً ثالثاً لا علاقة له بالحادثة الأولى ليكون أداة للعدالة. هذا الانتقال في الأدوار هو ما يجسد كمال القدرة الإلهية، ليعلم الإنسان أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الكأس التي سقى بها غيره هي أمانة في ذمة الزمن، ستؤدى إليه يوماً ما بالتمام والكمال، إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشر.