كسر الأقنعة (إلى الدكتورة آمال كاشف الغطاء .. وريثة القلم النجفي الثائر على طفولة العقل)
كتب رياض الفرطوسي
لم يكن حواري مع الدكتورة آمال كاشف الغطاء، هذه السيدة التي تنحدر من سلالة علمية ونجفية باسقة، مجرد استرجاع لوقائع تاريخية مرّت، بل كان أشبه بوضع العقل العربي برمته تحت مجهر التشريح. انطلقنا من مفارقة مذهلة؛ إذ وضعتْ الدكتورة في كفة ميزانها محاكمات “نورنبيرغ” بصرامتها الفكرية والمنهجية التي تُجبر الحاضر على مراجعة أدواته، وفي الكفة الأخرى محاكماتنا المحلية التي ظلّت مشدودة إلى غرائز الانتقام والتشفي. لقد توقفتْ ملياً عند محكمة الشعب عام 1958، ومحاكمة صدام حسين بعد عام 2003، لتشير بأصابع القلق المعرفي إلى أن العدالة في واقعنا غالباً ما تسقط في فخ الانفعال الجماهيري البدائي، حيث تُلغى المسافة الفاصلة بين الجريمة والكرامة الإنسانية، وتتحول المحكمة من ساحة لتقديم الأدلة إلى مسرح تُوزع فيه صكوك الإدانة المسبقة تحت وطأة “عدالة المنتصر”.
هذا العجز عن إقامة عدالة مجردة يعود بنا، في نظر الدكتورة آمال، إلى أزمة أعمق؛ أزمة “العقل الطفولي” الذي لم يبلغ بعدُ سن الرشد في تعاطيه مع الأزمات. نحن ما زلنا نحل معضلاتنا كبرى بالأساليب البدائية ذاتها، عبر ثقافة المضايف والعزائم وهيمنة العرف العشائري على حساب مرجعية الدولة والقانون. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً التي رصدتها الدكتورة، هي أن هذا السلوك لا يقتصر على البسطاء، بل يمتد إلى نخب متعلمة تبوأت مراكز حساسة في المجتمع، لكنها في لحظة الحقيقة تخلت عن نضجها المفترض لترتد إلى حظائرها الضيقة وتذوب في “الخلطة المجتمعية الأبوية والحزبية”، الأمر الذي يجهض ولادة فرد مستقل عقلانياً وأخلاقياً. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يشغل تفكير الدكتورة: كيف يمكن لهذا الإنسان أن ينضج ويتجاوز هذه الطفولة الحضارية؟
إن غياب هذا النضج هو الذي يجعل مجتمعاتنا مرتعاً لـ “المجتمع المموّه” أو مجتمع الأقنعة الذي تحدث عنه العالم روبرت هير في كتابه “بلا ضمير”. أولئك السيكوباثيون الذين يعيشون بلا أدنى شعور بالذنب، لكنهم في بيئاتنا المغلقة لا يمارسون انحرافاتهم كأفراد، بل يندمجون بذكاء داخل جماعات سياسية وعقائدية، فيتخذون من المقدسات والأساطير والمبادئ الكبرى أقنعة يمارسون تحت غطائها أبشع المجازر. وبدلاً من أن نكشف عري هؤلاء، نقع في فخ منحهم أبعاداً أيديولوجية وفكرية عملاقة، في حين أن حقيقتهم لا تتجاوز ما وصفت به الفيلسوفة حنة أرندت الضابط النازي إيخمان؛ إنهم مجرد تجسيد حي لـ “تفاهة الشر”، كائنات سطحية، فارغة، وعديمة الضمير، تتحرك برتابة داخل آلة بيروقراطية عملاقة. إن السينما حين وثقت محاكمات نورنبيرغ قدمت لنا درساً بليغاً في كيفية تفكيك هذا النمط من العقول والسلوكيات؛ ففي فيلم “محاكمة السياسيين” (Nuremberg)، نرى قادة الصف الأول النازي وهم يختبئون كالأطفال خلف مقولة “كنا ننفذ الأوامر فقط”، في محاولة للهروب من المسؤولية الجنائية الفردية. أما في الفيلم الأيقوني “محاكمة القضاة” (Judgment at Nuremberg) لعام 1961، فينكشف الرعب الحقيقي حين نرى كيف يمكن للمثقف ورجل القانون أن يتخلى عن ضميره المهني ويخضع لعاطفة الغوغاء وأيديولوجيا السلطة، ليبرر الظلم بنصوص قانونية مشوهة.
لكن المفارقة في واقعنا العربي تكمن في أننا لم نصل حتى إلى مرحلة تبرير الأفعال بفلسفة أيديولوجية؛ ففي كواليس محاكمات النظام السابق في العراق، لم تكن هناك فلسفة يدافع بها المتهمون عن أنفسهم سوى الاختباء خلف “تنفيذ الواجب” كأي كائن تافه ومسير. لقد تماهت تلك المشاهد مع تساؤل المتهم المسن “عبد الله رويد” في قضية الدجيل وهو يتجاوز الثمانين من عمره بذهول كامل: “شنو تهمتي؟”، بينما تقمص صدام حسين نفسه دور رجل القانون المتحدث عن العدالة. إن هذه السلوكيات تعزز فكرة أن الشر في جوهره سطحي وبلا جذور، ولا يتطلب كائنات أسطورية، بل مجرد أفراد عديمي الضمير يسكنون بيئات مغلقة تمنحهم سلطة القرار، ليتأكد لنا أخيراً أننا بحاجة ملحة للانتقال من التفسير البيولوجي الضيق للشر إلى فهم بيئتنا الاجتماعية والثقافية التي تصنعه، لنصل إلى ذلك النضج الذي تفتقده مجتمعاتنا، ونصنع أخيراً بيئة تحترم كرامة الإنسان كقيمة مطلقة سبقت في فلسفتها كل الحقوق والعهود.