بورصة السياسة العراقية: عندما تصبح “الخصومة” ترفاً لا يحتمله الواقع

عبدالله الذبان

لم تكن العاصمة بغداد يوماً مجرد ساحة لإدارة شؤون الدولة، بل كانت على الدوام حلبة ديناميكية تتقاطع فيها المصالح وتُعاد صياغتها وفقاً لمعادلات بالغة التعقيد لا تعترف بالجمود. وفي هذا السياق المتقلب، جاء اللقاء الرسمي الأخير الذي جمع رئيس حزب “تقدم” محمد الحلبوسي برئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني، ليمثّل حدثاً سياسياً بارزاً تداخلت فيه الأبعاد التكتيكية بالاستراتيجية. هذا اللقاء، الذي وثقته عدسات الصحافة في مشهد من المصافحة الدافئة والملامح الواثقة فوق السجادة الحمراء، لم يكن مجرد بروتوكول عابر أو التفاتة دبلوماسية فرضتها المصادفة، بل جاء كإعلان صريح ومدوٍّ عن تدشين مرحلة جديدة من إعادة التموضع البراغماتي في عمق المشهد السياسي العراقي. وهو الأمر الذي يبرهن بصورة قاطعة على أن الخصومات السياسية – ومهما بلغت حدتها وتجذرت في الخطاب الإعلامي – تظل محكومة بمتغيرات المصلحة الحيوية وبصلاحية اللحظة الزمنية التي يفرضها الواقع.

تكتسب هذه الاستدارة السياسية أهميتها الاستثنائية بالنظر إلى الخلفية المشحونة بالتنافس والتقاطعات الحادة التي ميزت علاقة الطرفين في محطات سابقة ليست بالبعيدة، لا سيما خلال أزمات تشكيل الحكومات المعقدة والصراع المحموم على توزيع مراكز النفوذ السيادي والمكاسب الاتحادية. إلا أن القراءة المعمقة والدقيقة للمشهد الراهن تؤكد أن “بورصة السياسة” في العراق لا تعترف بالثوابت المطلقة ولا بالتحالفات الأبدية؛ فالخصومة التي بدت بالأمس مستعصية على الحل وجداراً سميكاً من الصعب اختراقه، تهاوت فجأة وباتت ملامح التقارب واضحة تماماً، حيث تحولت تلك الخلافات إلى مساحة مرنة للتفاهم المشترك تحت وطأة الضرورات الحتمية واستحقاقات المرحلة الحرجة التي لم تعد تحتمل ترف المقاطعة أو البقاء في خنادق الجفاء.

إن هذا التحول الدراماتيكي في المواقف ينبثق مباشرة من منطق براغماتية النفوذ وإدارة التوازن النيابي؛ ففي ظل نظام سياسي عراقي يقوم في جوهره على التوافق والمحاصصة والشراكة في صناعة القرار، تدرك القوى الكبرى أن الانكفاء على الذات أو التمسك بالعناد السياسي الماضي يؤدي حتماً إلى تآكل الثقل البرلماني وضياع الفرص. من هنا، يمثل هذا التقارب خطوة متبادلة ومدروسة لتعزيز أوراق الضغط والتفاوض أمام الشركاء والمنافسين الآخرين في المشهد، وتحديداً داخل قبة البرلمان التي تستعد لحسم ملفات تشريعية ورقابية مصيرية.

ويتجلى هذا الترابط بصورة أوضح عند النظر إلى تكامل المصالح الحيوية والاقتصادية بين الطرفين، حيث تواجه أربيل اليوم ملفات ضاغطة ومعقدة للغاية تتعلق بالموازنة الاتحادية، وآليات تصدير النفط، وتأمين رواتب موظفي الإقليم التي تحولت إلى قضية رأي عام، وهي ملفات شائكة يتطلب حلها الجذري وجود حلفاء أقوياء ومؤثرين في مركز القرار ببغداد. وفي المقابل، يسعى حزب “تقدم” بكل ثقله إلى تثبيت ركائز قيادته للمكون السني وحسم الاستحقاقات السيادية والتنفيذية المؤجلة، وهو هدف استراتيجي لا يمكن تحقيقه دون ظهير سياسي وازن وثابت بمستوى القوى الكردية الأساسية التي تمتلك تجربة طويلة في صياغة التوازنات.

هذا التناغم المصلحي يعيد إلى الأذهان حقيقة تاريخية أثبتتها التجارب المتعاقبة في العراق، ومفادها أن كعكة السلطة والنفوذ لا يمكن أن تُدار بمنطق التفرد أو الإقصاء، بل تُقسم وتُوزع بناءً على تفاهمات كتلية كبرى؛ فعندما تقترب استحقاقات الحصاد السياسي، يتراجع الخطاب التصعيدي وتتوارى حدة الشعارات ليحل محلها منطق التهدئة وعقد التحالفات المرحلية التي يفرضها “تحالف الأقوياء” لضمان المكاسب الاستراتيجية. وبذلك يقدم هذا اللقاء درساً بليغاً وعملياً في “الواقعية السياسية” (Realpolitik)، حيث تُختزل المبادئ وتتراجع حدة الخلافات أمام لغة الأرقام والتوازنات الحقيقية على الأرض، مظهرةً أن الأطراف السياسية لا تتحرك بدافع العاطفة أو الرغبة في بناء علاقات اندماجية دائمية، بل بدافع الاستجابة المرنة للمتغيرات وضمان البقاء في الصدارة.

وفي المحصلة النهائية، فإن مشهد المصافحة في بغداد يفتح الباب واسعاً أمام قراءات متعددة لمستقبل الخارطة السياسية، ويطرح التساؤل الأكثر إلحاحاً في أروقة مراكز صناعة القرار: هل يمتلك هذا التقارب الجديد مقومات الديمومة والاستقرار والانسجام الفكري ليتحول إلى تحالف استراتيجي صلب بعيد المدى قادر على الصمود أمام الأزمات؟ أم أنه لا يتعدى كونه “تكتيكاً مرحلياً” فرضته ظروف اللحظة الراهنة لتقاسم كعكة النفوذ وحماية المصالح الضيقة، وينتهي مفعوله وتأثيره بمجرد نيل كل طرف لمبتغاه من صفقة التوازنات والتعيينات القادمة؟ إن الأيام القليلة المقبلة، وما ستحمله في طياتها من حراك تفاوضي مكثف حول القوانين المصيرية المعطلة والمناصب السيادية المعلقة، كفيلة بأن تزيح الستار عن الحقيقة وتكشف ما إذا كان هذا العناق السياسي حجر أساس لبناء جديد، أم مجرد هدنة مؤقتة في سوق البورصة السياسية العراقية.