رماد الجيران

رماد الجيران

كتب رياض الفرطوسي

لا يملك التاريخ وعياً لكي يغضب، ولا قلباً لكي ينتقم، لكنه يملك ما هو أشد قسماً وأبقى أثراً: السنن والقوانين التي لا تحابي أحداً. في جغرافيا الشرق الأوسط المشتعلة اليوم، تبدو الحقيقة عارية تماماً من كل مساحيق التجميل؛ فالنيران التي أُوقدت في بيوت الجيران، ومُوّلت بها الفوضى تحت لافتات شتى، لم تكن سوى دعوة مفتوحة للأعاصير كي تضرب قلاع مشعليها. إنها ليست لعنة سحرية ارتدت على الساحر، ولا عقاباً ميتافيزيقياً، بل هي النتيجة الحتمية لـ “العمى الأخلاقي والسياسي”، وقصر النظر الذي لم يدرك يوماً أن الفراغ الذي يصنعه الحريق لا يبقى فراغاً أبداً، بل يمتلئ حتماً بالطامعين والمهددين والباحثين عن النفوذ.

لم يكن الهدف من تفتيت الكيانات، وتغذية النزعات الطائفية والقبلية، ودعم المنظمات الموازية للدول سوى تحويل دول الجوار المستقرة تاريخياً إلى نماذج للرعب والخراب؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن لا يملك ديمقراطية في بيته لا يمكن أن يصدرها للآخرين. كان الغرض الخفي هو إقناع الشعوب في الداخل بأن الاستقرار القائم على العطايا، والاقتصاد الريعي، وشراء الصمت مقابل المكرمة، هو أقصى ما يمكن أن يطمح إليه الإنسان العربي، كنوع من الامتنان لجلاده.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الخراب المتعمد يمهد الطريق دوماً للرأسمالية المتوحشة. وهنا يبرز المفهوم الذي صاغته المفكرة الكندية نعومي كلاين في كتابها الشهير “عقيدة الصدمة: رأسمالية الكوارث”، حيث تتحول الأزمات والحروب إلى فرصة استثمارية للشركات الكبرى التي تتقاسم الغنائم وتتسابق على عقود “إعادة الإعمار”، لتكتمل الدائرة الجهنمية: تدمير ممنهج، تتبعه أرباح طائلة لمن تسبب في التدمير أصلاً.

وفي سياق كشف المستور، يذهب الكاتب دان رود في كتابه الجدلي “مملكة الكراهية” إلى أبعد من ذلك، مستنداً إلى وثائق يرى أنها تدين السياسات التي تلاعبت بالدين وسوّقت لنسخ متطرفة منه، مؤكداً أن هذا التمدد المالي والأيديولوجي ساهم في خلق بؤر التوتر التي تحرق المنطقة اليوم. هذه القراءة تتلاقى مع تصريحات علنية لسياسيين يفخرون دوماً بالتبعية المطلقة للمشاريع الغربية كصك أمان دائم، متناسين أن التحالفات في عالم السياسة الدولية لا تُبنى على الوفاء أو الود، بل على المصالح النفعية المتغيرة التي تتخلى عن حلفائها عند أول منعطف.

وقد أثار البروفيسور كريستوفر ديفيدسون ضجة واسعة حين تنبأ بانهيار هذه المنظومات في كتابه “ما بعد الشيوخ: الانهيار المقبل للممالك الخليجية”. وعندما واجهه النقاد بمرور السنوات التي حددها دون سقوط هذه النظم، جاء جوابه كاشفاً لعمق المأساة: “لقد أشعلوا النيران في بيوت الجيران لتحاشي الحريق الداخلي”. إنها استراتيجية تصدير الأزمات وصناعة الفوضى في الخارج لشراء الوقت في الداخل، لكنها استراتيجية ذات تاريخ صلاحية قصير جداً.

إن هذه الكيانات، ببنيتها القبلية وفقدانها للشرعية السياسية الحقيقية واعتمادها على الحماية الأجنبية، تجد نفسها اليوم محاصرة بهاجس الخوف الوجودي. يدفعها هذا الخوف إلى مزيد من العسكرة، والتوحش الاستخباري، وتعدد مراكز القرار وسط صراعات الأجنحة والعوائل الضيقة؛ وهو ما يمثل في العلوم السياسية “الانتحار الاستراتيجي بطيء الحركة”.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً وحرقة: هل تتعلم هذه النظم من مشهد الشعوب المسالمة التي تحولت بفعل أيديهم إلى قطعان هائمة في الجبال والبحار تبحث عن مجرد مأوى كطرائد؟ الجواب الواقعي، بعيداً عن العواطف، يكمن في طبيعة هذه النظم نفسها؛ إن إغراء تراكم الثروة وغياب المحاسبة والمراجعة الفكرية يجعلها غير قابلة للتعلم أو التراجع. إنهم يستمرون في النفخ في الرماد، متناسين أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات، بل هو محطة وقود كبرى تختزن تحت قشرتها كل تناقضات وضغائن التاريخ. وعندما تهب الرياح بالشرر، فلن ينجو أحد، فـ “دار الظالم خراب”، ولو بعد حين.