الكاتب : حسين شكران العقيلي
إنَّ البحثَ في شخصية الإمام علي عليه السلام ليس مجرد استعراضٍ لتاريخٍ مضى بل هو غوصٌ في ماهية (الإنسان الكامل) الذي استطاع أن يحول النص القرآني من حيز التدوين إلى حيز التكوين فالإمام علي (عليه السلام) لم يكن مجرد مفسرٍ للقرآن بل كان (القرآن الناطق) الذي تجسدت في سلوكه أدق تفاصيل القيم الإلهية ومن هنا تأتي هذه القراءة التحليلية لتستنطق المظاهر الأخلاقية في سيرته بوصفها انعكاساً مباشراً للهدي القرآني.
تبدأ ملامح (الإنسان القرآني) عند أمير المؤمنين عليه السلام من نقطة التوحيد الخالص وهي النقطة التي قرر فيها القرآن الكريم أنَّ العبودية لله تعالى هي منطلق الحرية من كل ما سواه لقد فهم الإمام علي (عليه السلام) جوهر الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) فكانت أخلاقه نابعة من استشعار الرقابة الإلهية الدائمة مما ولد لديه توازناً فريداً بين الهيبة واللين وبين القوة والرحمة إنَّ التحليل السلوكي لمواقف الإمام يكشف عن أنَّ أخلاقه لم تكن انفعالات لحظية أو استجابات لظروف اجتماعية بل كانت بناءً هندسياً يقوم على أسس العقيدة القرآنية فالعدل عنده ليس مصلحة سياسية بل هو تجسيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾النحل: ٩٠)
وعند تتبع مظهر (الزهد) في حياة الإمام نجد أنه يبتعد تماماً عن المفهوم الانعزالي بل هو زهدٌ قرآنيٌّ غايته (التحرر) لخدمة المجموع. ففي ضوء قوله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: ٢٣) صاغ الإمام فلسفته في التعامل مع الدنيا فلم يملك شيئاً لأنَّ الله ملك قلبه كله هذا الزهد أثمر في شخصيته صموداً أخلاقياً قلَّ نظيره حيث تجلى في مواقف العطاء التي خلدها القرآن لاسيما في سورة الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: ٨-٩) إنَّ الإيثار هنا ليس مجرد كرمٍ حاتمي بل هو فعلٌ وجودي يعبر عن ذوبان الأنا في مرضاة الخالق، وهو ما يفسر وصول الإمام إلى مرتبة (نفس الرسول) في آية المباهلة.
وفي سياق التعامل مع (الآخر) ، سواء كان موافقاً أم مخالفاً يبرز الإمام علي عليه السلام كأعظم مُنظّر للكرامة الإنسانية في ضوء القرآن فمنهجه الأخلاقي يستند إلى الآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الإسراء: ٧٠) وهذا التكريم هو الذي صاغ عهده لمالك الأشتر الذي يعدّ وثيقة حقوقية عالمية حيث أرسى قاعدة (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) . إنَّ هذا التداخل بين النص القرآني والسلوك العلوي يثبت أنَّ الإمام كان يرى في الإنسان ـ أي إنسان ـ مرآة لتجلي الإرادة الإلهية ولذلك كان عادلاً مع أعدائه بنفس القدر الذي كان به رحيماً بأوليائه ممتثلاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾(المائدة: ٨)
أما مظهر (الشجاعة) عند الإمام فهو لم يكن مفرغاً من البعد الأخلاقي بل كانت شجاعة منضبطة بضوابط التقوى القرآنية فالشجاعة العلوية لم تكن تهدف إلى الغلبة أو السيطرة بل كانت وسيلة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، تماماً كما وصف القرآن المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾(المائدة: ٥٤) وهذا التوصيف يبرز التواضع العلوي في قمة القوة ففي اللحظة التي يصرع فيها الإمام خصمه نراه يترفع عن التنكيل به بل قد يتركه إذا ما وجد في ذلك مصلحة إنسانية أو شرعية، مما يحول المعركة من صراع مادي إلى مدرسة في الأخلاق الحربية التي استقاها من توجيهات القرآن في ضبط النفس وعدم الاعتداء.
إنَّ القراءة التحليلية لشخصية الإمام تفضي بنا إلى حقيقة مفادها أنَّ (العلم) لديه كان خلقاً قبل أن يكون معرفة. فالقرآن الكريم الذي رفع مكانة العلماء في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: ١١) وجد في الامام علي (عليه السلام) وعاءً لهذا العلم لكنه العلم المقترن بالعمل والتواضع كان علمه يزيده خشيةً وتذللاً للباري ويفتحه على حاجات الناس ومواساتهم ومن هنا كان خطابه الأخلاقي في (نهج البلاغة) صدىً لروح القرآن حيث استطاع بلغة بليغة أن يفكك الأمراض النفسية والاجتماعية ويضع لها العلاج النابع من الوحي مركّزاً على أنَّ صلاح المجتمع يبدأ من تزكية الفرد لنفسه.
ختاماً، يمكن القول إنَّ الإمام علي (عليه السلام) قدم للبشرية النموذج الأسمى لـ (الإنسان القرآني) الذي تجاوز حدود الزمان والمكان
إنَّ أخلاقه لم تكن مجرد صفات موروثة بل كانت صناعة إلهية نضجت في حجر النبوة وتغذت من مائدة القرآن.
إنَّ دراسة هذه المظاهر الأخلاقية تكشف عن الترابط العضوي بين الثقلين (الكتاب والعترة)، وتؤكد أنَّ التمسك بمنهج علي الأخلاقي هو في جوهره تمسك بالجوهر الأخلاقي للقرآن الكريم. العدل والزهد والإيثار، والشجاعة والصدق كلها في المنظور العلوي هي مسارات تؤدي إلى الله وهي التي تجعل من الشخصية الإنسانية منارةً تضيء درب الأجيال التائقة للحق والجمال الأخلاقي.