نظام مير محمدي*
في مايو 2026، تمر الإحداثيات السياسية والميدانية لإيران بمنعطف تاريخي هو الأكثر حساسية ومصيرية على الإطلاق. فمن جهة، تلقي الحرب الإقليمية والخارجية الواسعة بظلالها المدمرة لتسحق الآلة العسكرية والحربية لنظام ولاية الفقيه، ومن جهة أخرى، ومع هلاك علي خامنئي، وصلت هذه البنية المتهالكة التي باتت بلا رأس وتغرق في مأزق بنيوي مطلق إلى أيامها الأخيرة. وفي ظل هذا المشهد الذي يكتنفه غبار الحرب والأزمات، يأتي صدور البيان التاريخي لـ “1000 شاب من جيل الرفض” دعماً لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ليكون بمثابة بوصلة استراتيجية تحدد المسار المبدئي للتحولات الآتية.
المأزق البنيوي للنظام والتخبط في مستنقع الحرب والإعدامات
يقف نظام ولاية الفقيه اليوم عند خط النهاية؛ فقد شُلت أذرعه الإقليمية بالكامل، وباتت أجهزته القمعية في الداخل تعاني من التفكك والتشتت بغياب الديكتاتور الأكبر (خامنئي). ولطالما أكدت المقاومة الإيرانية أنها لا ترحب أبداً بالحرب الخارجية أو التدخل العسكري الأجنبي، ولا تراهما طريقاً لتحرير إيران، إذ إن شرعية التغيير تنبع حصراً من إرادة الشعب الإيراني نفسه. ومع ذلك، لا يمكن إغفال الواقع المتمثل في أن الحرب الدائرة قد وجهت ضربات قاصمة وموضوعية للبنية العسكرية للنظام، مما سرع من وتيرة سقوطه الحتمي.
وفي محاولة يائسة للتغطية على ذعرها من السقوط الوشيك والسيطرة على غضب مجتمع يترقب اللحظة الحاسمة، تلجأ بقايا النظام المحاصرة في هذا المأزق القاتل إلى أداتها الأخيرة المتمثلة في تكثيف آلة الإعدامات بشكل جنوني. وفي هذا السياق، أقدم جلادو النظام مؤخراً، في خطوة وحشية تعكس عمق إحباطهم، على إعدام ثمانية من المناضلين الأبطال المنتمين لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. ومن بين هؤلاء الأبطال الذين واجهوا حبال المشنقة بكل شجاعة، يبرز الاسمان اللامعان وحيد بني عامريان وأبو الحسن منتظر برفقة رفاقهم الآخرين. إن هذه الجريمة النكراء لا تعبر عن القوة أو السيطرة، بل هي رد فعل مذعور من سلطة تدرك تماماً أنه مع تدمير آلتها العسكرية في الحرب الخارجية، فلن يبقَ لها أي درع واقٍ أمام الإرادة الشعبية المنظمة.
الرسالة الاستراتيجية لبيان الـ 1000 شاب: التوعية ورسم الحدود الحاسمة
ضمن هذه الإحداثيات المعقدة، يمثل بيان الـ 1000 شاب من “جيل الرفض” (الجيل المناهض للديكتاتورية والتبعية) وثيقة توعية ورسماً حاسماً للحدود التاريخية. هذا جيل أثبت صموده وعدم مساومته بوجه الفاشية الدينية والسياسية للنظام خلال انتفاضات الأعوام الماضية، ويدخل الساحة اليوم متسلحاً بشعار “لا الشاه ولا الملا” كمنارة تضيء طريقه.
تكمن أهمية هذا البيان في إثباته أن الشباب الإيراني الواعي لا ينخدع بضوضاء الحرب أو بالبدائل الزائفة والتابعة. فهم يدركون جيداً أنه بغياب خامنئي وفي ظل تفكك النظام الحالي، تحاول السياسات الاستعمارية والرجعية إعادة تسويق بقايا الديكتاتورية الملكية البائدة لحرف مسار انتقال السيادة إلى الشعب. إن الدعم الحازم الذي يبديه هؤلاء الألف شاب للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يضع حداً قاطعاً لأي محاولة للعودة إلى الماضي (ديكتاتورية الشاه) أو المساومة مع بقايا الوضع الراهن (ديكتاتورية الملا).
دور وحدات المقاومة في الظروف الحربية الراهنة
في الوضع الحالي، وبسبب هيمنة أجواء الحرب الخارجية والضربات الجوية، فإن الظروف الموضوعية غير مهيأة لانطلاق انتفاضات شوارع واحتجاجات جماهيرية واسعة النطاق في المدن. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال ركود المقاومة أو توقفها؛ فالاعترافات الصريحة للأجهزة الأمنية للنظام بتنفيذ اعتقالات واسعة واستهداف العناصر المنظمة تشير بوضوح إلى الحيوية الكبيرة للمقاومة تحت الرماد.
وتركز “وحدات المقاومة” في هذه المرحلة الحساسة، من خلال تنظيمها المتماسك، على جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، ورصد نقاط ضعف آلة القمع، وتنفيذ العمليات الاستراتيجية الموجهة، وتهيئة الأرضية اللوجستية والميدانية. إنهم، بصفتهم الذراع التنفيذية لجيش التحرير، يستعدون للحظة الحاسمة التي ينقشع فيها غبار الحرب الخارجية ويُشل فيها الحرس الثوري بالكامل، لتوجيه الضربة القاضية من أجل تفكيك الأجهزة القمعية للنظام بالكامل.
آفاق المستقبل: الحكومة المؤقتة وسلطة جمهور الشعب
لقد وصل نظام ولاية الفقيه إلى نهاية المطاف. وإن بيان الـ 1000 شاب ثائر ليس إلا إعلاناً عن جاهزية جيل كامل لتحمل المسؤولية في المرحلة الانتقالية. وكما أعلنت السيدة مريم رجوي، وتفادياً لأي فراغ في السلطة فور انهيار النظام، سيتم تشكيل “الحكومة المؤقتة” استناداً إلى مشروع المواد العشر، لتتولى خلال فترة انتقالية مدتها ستة أشهر نقل السيادة بشكل ديمقراطي وعبر انتخابات حرة إلى أصحابها الحقيقيين، وهم الشعب الإيراني.
واليوم، وبفضل وجود مقاومة منظمة وجيل يقظ رسم حدوده بوضوح مع الديكتاتوريتين السابقة والحالية، يستعد المجتمع الإيراني ليؤسس، من وسط رماد الحرب والاستبداد، جمهورية ديمقراطية، مسالمة، خالية من الأسلحة النووية، وقائمة على فصل الدين عن الدولة.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني