إيهاب مقبل
في تطور سياسي مهم داخل العراق، انتخب مجلس النواب العراقي في 11 أبريل نيسان 2026 السياسي الكردي “نزار محمد سعيد محمد كنجي” رئيسًا جديدًا للجمهورية، وهو المنصب الأعلى في الدولة من الناحية البروتوكولية ضمن النظام السياسي العراقي القائم على تقاسم السلطة.
وبحسب ما تم تداوله في التقارير السياسية والإعلامية، فإن انتخابه جاء بعد أشهر من التجاذبات بين الكتل السياسية حول مرشح التوافق الكردي لهذا المنصب.
من هو نزار آميدي؟
ينحدر نزار آميدي من قضاء العمادية في محافظة دهوك شمال العراق، وُلد عام 1968، وهو مهندس في الأصل قبل أن يتجه إلى العمل السياسي والإداري داخل مؤسسات الدولة العراقية.
وقد تدرج في مسيرته المهنية والسياسية عبر عدة مواقع مهمة داخل الدولة، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة من جامعة الموصل عام 1993، ثم عمل في مؤسسات حكومية وإدارية متعددة في بغداد وأربيل والسليمانية، واكتسب خبرة طويلة في العمل التنفيذي والاستشاري داخل أجهزة الدولة.
لاحقًا، شغل منصب وزير البيئة في حكومة محمد شياع السوداني بين عامي 2022 و2024، كما عمل مديرًا لمكتب رئاسة الجمهورية خلال فترات رئاسية سابقة، ما عزز حضوره داخل المنظومة السياسية العراقية.
كما يُعد عضوًا بارزًا في الاتحاد الوطني الكردستاني، أحد أهم الحزبين الكرديين في العراق إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني.
لماذا يُعرف باسم “نزار آميدي”؟
رغم أن اسمه الرسمي هو “نزار كنجي”، إلا أنه يُعرف إعلاميًا وسياسيًا باللغة العربية باسم “نزار آميدي/ نزار ئاميدي” أو باللغة الكردية “نزار ئامیدی” أو باللغة الفارسية “نزار عمیدی”، ويعود ذلك إلى مسقط رأسه في قضاء العمادية (Amedi).
ويُعد هذا الأسلوب شائعًا في السياسة الكردية والعراقية، حيث يتم استخدام أسماء المدن أو المناطق كألقاب تعريفية بدلًا من الألقاب العائلية، بهدف تمييز الشخصية سياسيًا وإعلاميًا وربطها بهويتها الجغرافية والاجتماعية.
وبالتالي فإن “آميدي” ليس اسمًا بديلًا رسميًا ولا تغييرًا في الهوية الشخصية، بل هو لقب جغرافي سياسي يعكس الانتماء المكاني.
جاء انتخابه ضمن إطار النظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة غير الرسمية، والذي يقوم على توزيع المناصب العليا بين المكونات الرئيسية في البلاد، حيث تُمنح رئاسة الجمهورية للمكوّن الكردي، ورئاسة البرلمان للمكوّن السني، بينما تذهب رئاسة الوزراء للمكوّن الشيعي.
وقد شهدت العملية الانتخابية تنافسًا بين مرشحين بارزين من الحزبين الكرديين الرئيسيين، قبل أن يتمكن آميدي من حسم التصويت داخل مجلس النواب بعد جولات من التفاوض السياسي والتوافقات بين الكتل.
ما هو دور الرئيس العراقي؟
رغم أن منصب رئيس الجمهورية في العراق يُعتبر منصبًا بروتوكوليًا وشرفيًا إلى حد كبير، إلا أنه يمتلك مجموعة من الصلاحيات الدستورية المهمة التي تجعله جزءًا أساسيًا في العملية السياسية.
ومن أبرز أدواره: يقوم رئيس الجمهورية أولًا بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات، وهو دور محوري في بداية كل دورة حكومية، حيث يفتح الباب أمام تشكيل مجلس الوزراء.
كما يقوم بالمصادقة على القوانين التي يقرها مجلس النواب، وإصدارها رسميًا، إضافة إلى إصدار المراسيم الجمهورية وفقًا للدستور.
ويمثل رئيس الجمهورية الدولة العراقية في المحافل الرسمية والعلاقات البروتوكولية مع الدول الأخرى، ويُعد رمزًا لوحدة البلاد.
كما يملك صلاحية التصديق على أحكام الإعدام بعد صدورها من القضاء، إضافة إلى قبول السفراء الأجانب وتعيين السفراء العراقيين بناءً على ترشيح الحكومة.
ورغم هذه الصلاحيات، يبقى الدور التنفيذي الأساسي في يد رئيس الوزراء، الذي يتولى إدارة الحكومة والسياسات العامة للدولة.
بعد انتخاب رئيس الجمهورية: تكليف رئيس الوزراء
بعد انتخاب رئيس الجمهورية، تبدأ المرحلة السياسية الأكثر حساسية في النظام العراقي، حيث يقوم الرئيس الجديد بتكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة، وغالبًا ما تكون هذه الكتلة من التحالفات الشيعية الرئيسية مثل “الإطار التنسيقي”.
ثم يدخل رئيس الوزراء المكلف في مفاوضات سياسية مع الكتل الكردية والسنية لضمان تشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة البرلمان، وهو ما يجعل هذه المرحلة معقدة وتتطلب توافقات واسعة بين القوى السياسية المختلفة.
وفي النهاية، يتم عرض الكابينة الوزارية على البرلمان للتصويت ونيل الثقة، ليبدأ بعدها عمل الحكومة رسميًا.
أبرز الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء
في هذه المرحلة، تتركز المنافسة السياسية على شخصيات بارزة، أبرزها رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، إلى جانب رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام احتمالية ظهور مرشح تسوية في حال تعثرت التفاهمات بين القوى الشيعية الكبرى.
وتشير قراءات سياسية إلى أن حسم منصب رئيس الوزراء في العراق لا يعتمد فقط على التوازنات الداخلية بين الكتل البرلمانية، بل يتأثر أيضًا بعوامل إقليمية ودولية، من بينها نفوذ كل من واشنطن وطهران داخل المشهد السياسي العراقي في بغداد، حيث تلعب هذه الأطراف دورًا غير مباشر في دعم أو تفضيل بعض المرشحين ضمن إطار التوافقات العامة.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن حظوظ السوداني تبدو مرتفعة نسبيًا مقارنة بغيره، بالنظر إلى موقعه الحالي كرئيس وزراء قائم ومحاولات الحفاظ على الاستقرار السياسي، إلا أن ذلك يبقى مرتبطًا بنتائج التفاهمات النهائية داخل “الإطار التنسيقي” وبقدرة القوى المختلفة على الوصول إلى تسوية شاملة.
الخلاصة
يمثل انتخاب نزار آميدي مرحلة انتقالية جديدة في المشهد السياسي العراقي، إلا أن التحدي الحقيقي يبدأ مع تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء، وهو المنصب الأكثر تأثيرًا في إدارة الدولة فعليًا مقارنة بمنصب رئيس الجمهورية، وسط توازنات داخلية معقدة وتأثيرات إقليمية ودولية تلعب دورًا في صياغة المشهد النهائي.
انتهى